القصة القصيرة جدا

أبراج الحمام

قادمٌ من سفرٍ طويلٍ ؛ على عتبةِ بابِ الدّار يقفُ مشدوداً.. يبحثُ في جيوبهِ عن المفاتيحِ الجديدةِ.. لم يجدْها.. تذكّر حبلَ السُقاطة.
عادَ به الزّمنُ للوراءِ.
تذكرَ أيّامَ اللّهو البريء مع شّباب القرية في شهور الإجازة الصيفيّة في جُرنِ الجمعيّة الخيريّة القريبِ من مدافنِ القريةِ؛ حينَ وقفتْ سيّارةُ الشّرطة بعدَ أذانِ العصرِ، وهبوطَ الجنود بأصواتِهم المُنفرة.
ضابطُ المباحثِ وسطَ زمرةٍ من مساعديه، وبإشارةٍ من سبّابته طوّقَ الجنود الجُرن، وسور (الوسيّة) من كلّ الجهات.. بنبرةٍ واحدة تفرّقنا جميعاً ؛ وعدنا إلى بيوتِنا مُرغَمين ؛ عدا (عطية الفرماوي) سليطَ اللّسان أنذاك ؛ لبدَ وسط نبات الحلفا المنتشر على ضفاف المَرْوَى الضيقة المجاورة لسور (الوسيّة) من الجهة الخلفيّة ؛ لعلّه يصل إلى حقيقة مقتلِ ابنِ إمامِ المسجدِ الوحيد بالقرية ؛ خِرّيج كلّيةِ الحقوقِ بدرجة امتياز ؛ دخلتْ دَغيشةَ المَغْربِ، عادَ حمامُ البرج إلى عشّه، والجنود لا يزالون مرابطين في أماكنهم، يُحيطُ خفراء (الوسيّة) بجّثة الشّاب منذّ صبيحةَ الأمس.
بعد صلاة العشاء خرج قائدُ الشّرطة من قصر صاحب (الوسيّة) السروقة أرضه من الجمعيّة الخيريّة عنوةً، في حراسةِ زمرته الخاصّة.
صرّح بدفنِ الجثّة.
الخادماتَ يحملنَ الأقفاصَ والصّواني الملئَى بخيراتِ الله.
عندّها علا صريخُ وولولةُ أهلِ القريةِ على ابنِها القتيل غدراً، وضَياع دّمه بينَ عمّال (الوسيّة) وصاحبِها، بينما ابنُ الفرماوي لم يزلْ في المَخْبَأ الآمن، وقد غلبه سلطان النّوم العميق.
بعد صلاة الفجرِ خرجَ شبابُ القريةِ وذويهم كي يرشّوا الماء على أرضيّةِ الجُرن استعداداً لموسمِ الحصاد، وجدوا الجُرن قد ضُمّ إلى حيازةِ أرض (الوسيّة) مكافأةَ الخلاصِ من صائبِ اللّسان.

السابق
غاية
التالي
خدمات جليلة

اترك تعليقاً

*