القصة القصيرة

أبو العز الحفار

جلس على كرسيه الهزاز في شرفة فلته الفاخرة ، التي تعلو ربوة تطل على البحر .. وسط مجموعة من النباتات والزهور .. ويجول ببصره على لجة البحر القرمزية ويتأمل قرص الشمس وقد احمر انذاراً بالغروب وأشعتها تتهادى على صفحة المباه الزرقاء لتعكس الوان قوس قزح .. في خضم تمتعه بالطبيعة وجمالها لم يشعر بنسمة البحر الشتوية القارصة وهي تلفح وجهه وجسده خجلت القشعريرة أن تسري في جسده تحية لملابسه الوثيرة.. ابتسم ساخراً من هبات الرياح القارصة .. ركز نظره على البحر والشمس وهما يرسمان لوحة سيريالية طبيعية بدون ريشة فنان وأرخى أذنيه للآستماع بسمفونية رائعة تعزفها
موجات البحر المتلاحقة أمعن النظر طويلا وهو يتابع الشمس تغرق ببطء في البحر .. منذ تخرجه من الجامعة وهو يحرص على مشاهدة هذا المنظر.. يوميا يجوب شوارع المدينة ويتنقل بين الداوائر الحكومية والشركات منقبا عن عمل، تدثر جسده ملابس رثة لاتقي برد ولا تحجت أشعة حارقة وتلتقط أذنية صفعات كلمات الأعتذار واحيانا السخرية فتخترق قلبه ورأسه فيتقبلها مضطراً بلا ضجر .. مر ما يقرب من عامين وهو يدور في هذا الروتين اليومي .. وكان يحرص يوميا ألا يعود لبيته في مخيم اللاجئين قبل مشاهدة منظر الغروب .. مايزال يعشق المنظر ويحرص على مشاهدته يوميا .. ابتسم ملىء شدقيه وهو يتذكر اليوم الذي تحصل فيه على عمل شاق جداً.. وكم كانت سعادته رغم شقوته .. نظر إلى كفيه الناعمتين ومسح بهما على روبه الكشميري الناعم .. ثم رفعمها
أمام عنييه وسخر من أول يوم عمل في حفر الأنفاق , المنتشرة بكثرة في أنحاء متفرقة من الحدود إلى داخل المدن والقرى ، وكل نفق له اختصاصه..( تهريب .. مقاومة .. حماية تنقلات بعض المهمين ) .. تذكر تشقق كفيه وأصابعه من أثر المعاول .. تحمل كل الشقاء وعمل بجد ونشاط ، طالما تدر عليه دخلا وفيراً .. وترك النقود تتضاعف بين يديه وقتر الأنفاق باقصى استطاعته حتى لقبه أهل بيته بالبخيل بعد شهور تمكن من تملك نفق .. لم يشعر برذاذ المطر وهو يتندى على وجهه.. ..ارتفع هدير موج البحر واختفى قرص الشمس وتحلقت الغيوم السوداء تحجب اللأفق ودلقت أمطارها بغزارة ومعها حبات برد ثلجية ..
بركت المياه على ارض الشرفة وهو ما يزال يتحرك على كرسيه الهزاز يستعرض شريط حياته الماضية وكيف تطور النفق ليصبح عدة انفاق ..تذكر صديقه ابو العز .. الذي ساعده للعمل معه في الأنفاق.. واستهزء من إخلاصه في العمل .. .. حفار انفاق لم يتطور ولم يكن طموحا مثله كما لم يكن لبق الحديث حلو اللسان .. ويمقت المديح والتملق ويصف ذلك بالنفاق .. وتذكر كيف كان يتهرب من ابو العز كلما حضر صاحب النفق الذي عمل به أول مرة ليتقرب منه ويستدرجه في الحديب حتي أصبح مساعداً له ثم لم تمض شهور حتي اشترى النفق .. يومها غضب منه ابو العز وقاطعه واتهمه بالسرقة .. تزايد انهمار الأمطار اضطره للهرب من الشرفة إلى كرسيه الهزاز الآخر في بهو الفيلة بجوار المدفئة الحجرية بوهج نيرانها ، ويرنو ببصره من نافذة الشرفة الزجاجية مستمتعا
بمشاهدة حبات المطر والكرات الثلجية وهي تخترق لجة المياه الزرقاء .. جذبته من متعته وجولته في واحة الذكريات مرآة تتوسط بهو الفيلة .. حزن وهو يرى الشعرات البيضاء تتسلل إلى رأسه وبعض التجاعيد تحت عينيه .. وتذكر أنه قضى عمره يركض وراء المال والجاه .. والمتعة الجسدية والسفر والتنقل .. ولم يتزوج ولم يبن اسرة .. رنة هاتفه الجوال شدته من بحر ذكرياته .. ألو .. لاحول ولا قوة الا بالله .. انا لله وانا اليه راجعون .. متى حدث ذلك .. واردف بالأمس .. مسكين ابو العز عاش حياته في الأنفاق مخلصا صادقا ، وها هو ينهي حياته في الأنفاق .. وسأل كيف انهار هذا النفق وردد انه من اقوى الأنفاق التي امتلكها.. وسأل متي موعد الجنازة ..ان شاء الله ساكون حاضراً.. أغلق هاتفه وعاد لاهتزازه بكرسيه مستمتعا بالأمطار الغزيرة تصفح لجة مياه البحر الهادرة.

السابق
أنفُ الزمار
التالي
فَلانْتاين

اترك تعليقاً

*