القصة القصيرة جدا

أبيضٌ وأسوَد

– يا إلهي .. أين أنا ..؟!
نفضتُ رأسي مُحاوِلاً الفَهم ، حَدَّقتُ بِذهولٍ أتأمَّلُ الوجوه ، أعرِفُ بعضها و أجهَلُ الأغلبية، صِرتُ كمجذوبٍ ألتَهِمُ بِعيناي كل المخطوطات التي تُزَيِّنُ الجدران .. هذه صُوَري قد تَداخَلَت مع خَربشاتي تملأ الحَوائِط و قِصَصي منثورةً على طاولاتِ المكان ..!، أنهَكَني ذُهولي ، وَقَعتُ جالِساً في حُضنِ أحد الضيوف، آلَمَتني رُكبَتُهُ إذ كان واضِعاً رِجلاً فوقَ رِجل، أصغيتُ لِكلِماتِ رِثاءٍ مِن النُقّادِ المَحليين والأدباءِ و الشُعراء،
– يا إلهي ..! ألِهذا الحَدِّ كُنتُ مُؤثِّراً و مُتابَعاً ..! لِمَ لَم يُخبِروني ربما كنتُ سأعيشُ أطوَل ..
استَدعيتُ زملائي مِن عالمي ، قال لي غسان كنفاني بعد أن طافَ في فضاءِ القاعة مُبتَسِماً:
– كُنّا نُتابِعُكَ و كثيراً ما صَفَّقنا لكَ يا صديقي و سَل فدوى طوقان كم كانت مُعجبةً ..
ابتَسَمَت و هيَ تُومئ بِرأسِها تأييداً ، لم أُصَدِّق ..!، صَرختُ مُستدعياً محفوظاً و السِباعيَّ و الحكيمَ و الأبنوديّ، هالَني أنهم جميعاً حافِظون لِقِصَصي و خَربشاتي، أسمَعوني قِراءاتٍ نَقديةً ما عَهِدتُها، صِرنا حَفلاً داخِلِ حَفلٍ بِأجنِحةٍ بيضاءَ نَتَنَقَّلُ بين غُرَفِ المكان دون أن تُفتَحَ الأبوابَ المُغلقةَ، نَمُرُّ عَبرَ الحوائِطِ دون أن تَهتَزَّ أو تُخدَش ، في غُرفةِ المديرِ هَبطتُ إلى جانِبِ الحكيمِ، إذ كانَ جالِساً دونَ عُكازِهِ ودونَ قُبَعتِهِ السوداء يتأمَّلُ مشادّةً بين الأحياء، قال لي مُتَنَهِّداً و هو يتأهَّبُ بِجناحيهِ للمُغادرة :
_ يا صديقي قَد كُنتَ بِالفِعلِ كما كَتبوا هنا وكما قالوا ،
لكنهم لم يؤبِّنوكَ عِرفاناً و إنما ..

السابق
رواسب
التالي
عندما تغني الملائكة

اترك تعليقاً

*