القصة القصيرة جدا

أجيالٌ

جلس متكئًا يقلب وجهه بين الشاشة ووجوه الجالسين المطمئنة، زوجته تروح وتجئ عليهم بالمشروبات الباردة والمسليات، أولاده وأحفاده ينتشرون على المقاعد والوسائد كأنَّ على رؤوسهم الطير، عيونهم شاخصة لا تفوتهم شاردة ولا واردة. يرتشفون العصائر ويتناوبون التعليقات الساخرة، يعجب لهدوء أعصابهم، يستنكر ردود أفعالهم الباردة، الفيلم المعروض ملئ بمناظر يشيب لها الولدان: مصاصو الدماء يغرسون أنيابهم البارزة في أعناق الضحايا، الدم الساخن يسيل بغزارة، الموتى الأحياء يهيمون على وجوههم في الشوارع؛ يبحثون عن فرائس تسكن لهيب الجوع المستعر في أجوافهم، الجنود يحيطون أنفسهم بسياج مكهرب، يتصيدون كل من يحاول الاقتراب، مَن يفلت مِن الرصاص يصرعه التيار، ألسنة اللهب تتصاعد من حطام المباني، الجثث متناثرة في كل مكان، الدخان الخانق يغلف الجو، الطائرات تقصف كل من يتحرك في أرجاء مدينة الأشباح، الصراخ والعويل يصكان الأسماع، ثم الصمت القاتل من آن لآخر؛ يأخذ الأنفاس كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
تذكر أول يوم وطئت فيه قدماه دارًا للعرض، كان يومئذ مراهقًا تحت العشرين، ولج من النور إلى القاعة المظلمة، تلقفته يد العامل المدربة، انتزع من يده التذكرة وأمره أن يتبعه، قاده إلى مقعده على بصيص هزيل من كشافه اليدوي ، ارتمى في المقعد الذي حددته بقعة الضوء الشاحب، شخص ببصره إلى الشاشة العملاقة، كانت عصابة من اللصوص تمتطي صهوات الجياد السريعة وتطارد قطار البريد البطئ، وتتبادل إطلاق النار مع الحراس، لا ينسى وجيف قلبه مع اقتراب الجياد؛ وانحناءه يمينًا ويسارًا ليتجنب طلقات النار، وكيف هم بمغادرة كرسيه خشيه أن يدهسه القطار الزاحف صوبه.

السابق
صناعة السعادة
التالي
أكتشاف

اترك تعليقاً

*