القصة القصيرة جدا

أحزان ديسمبر

وحين يهلّ ديسمبر يغطي روحي بالغيوم التي تتكاثف سحبها فوق مقلتي؛ فتنهمر دموعي، وتهب رياح الأحزان محطمة أشجار الأمل؛ فيتغلغل الصقيع بمسامي فتفتر رغبتي في الحياة وعلاقتي بالبشر؛ ويتراكم الطمي على أوراقي البيضاء فأعجز عن تحريك قلمي فوق أرض زلقة؛ يطاردني شعور بالفشل؛ أهرب للنوم فيأتي أبطال كتاباتي يبصقون عليّ وهم يبكون بنحيب جماعي قائلين: أضعتنا.. أضعتنا..ثم يتراجعون.. يتراجعون حتى يختفوا خلف باب أسود؛ فيخرج منه أبنائي؛ يقتربون.. يقتربون حتى يقفوا على رأسي وهم يصرخون بصوت جماعي: أضعتنا أيها الأب الفاشل، نهضت لأصرخ فيهم فإذا بأناس في أعمار شتىى ينضمون إليهم قائلين: ذاك المعلم الفاشل ضيعنا. حين غرس فينا قيما بالية وأفكارا لم تعد تصلح لزماننا.
أفرّ هربا لاصطدم بجموع الشعب تطاردني وهي تصرخ: أضعتنا يا فاشل.
استيقظت من نومي عازما على النجاح، دخلت مكتب المدير، قبلت رأسه ودعوت له وأعطيت كل طلابي الدرجات النهائية فانهالت العلاوات والترقيات؛ عدت للبيت أحمل لكل ابن من أبنائي هديته التي كان يحلم بها؛ فها هي زوجتي تقف أمام المرآة تتراقص فرحا بفستانها الجديد وها هو ابني يرفع مفتاح السيارة الجديدة وهو يرقص ويقبل يدي وها هي ابنتي تضع علبة” الآي فون 6″ على رأسها وترقص.
خرجت مشيعا بالدعوات بمزيد من النجاح؛ اتجهت لصناديق الاقتراع واخترت ذلك الوجيه الأمثل ليمثلني بمجلس النواب؛ فنقدني كبير حاشيته مبلغا من المال؛ فرفعت بنصري المغطى باللون الفسفوري أمام كاميرا إحدى القنوات الرسمية وأنا أهتف يعيش يعيش الرئيس.
عدت للبيت؛ دخلت غرفتي وبمجرد أن غفوت رأيت جحافل من عصور شتى تبينت ملامحها بصعوبة وأصوات من بعيد بلغات مختلفة تقول: ألقوه في مزبلة التاريخ.

السابق
أبعاد متلاصقة
التالي
صرّة

اترك تعليقاً

*