القصة القصيرة

أحساس قابل للكسر

يضع يده على فمه .. يكلمها .. وهي ترفع رأسها .. تجاه حقيبتها الزرقاء .. تجلس بجواره .. وهي ترد عليه .. يبلع ريقه بصعوبة بالغة .. يضغط على نظارته .. بشاهد يده اليسرى .. يُثبتها .. يواصل كلامه معها .. تومئ برأسها .. تبتسم .. يضع قدمه في وجه الجالس أمامه .. يمد يده يشير إلي لا شيء .. يهمس في أُذنها من جديد .. تضحك .. ينبسط .. ينتشي .. ينتشر الدم في وجهه…{{ ولما رأتني أنظر اليهما في غيظ .. وغضب شديد , وحنق بادٍ عليّ .. أطرقت .. ابتسمت .. ألقت بصرها على الأرض .. وأناملها البيضاء الطويلة , تضرب علي ساعة معصمها وقد أطرقت هنيهة }}.. يسُّر إليها حديثاً آخر.. ترجع إليه البصر فاتراً .. فيتمكن من جلسته .. يسترخى على مقعده .. باطمئنان .. همّمّت أثب عليه .. أركله .. أصفعه .. ألقى به من نافذة القطار .. حتى أطفئ النار التي اشتعلت بداخلي .. فأنا منذ رأيتهما يتحدثان .. تمنيت لو أن الأرض تنشق فتبلعهما .. أو تنزل عليهما صاعقة من السماء .. أو أني ميت قبل ان أراها تجلس مع غيري .. نظرت إليها نظرة حادة .. فألقت بعينيها من النافذة .. كنوع من الهروب .. وشردت بعيداً .. وهو لم يزل يكلمها بصوتٍ منخفضٍ .. لا يصلني منه شيء .. فهدير القطار , وأصوات الركاب المرتفعة ملء المكان .. فتحت أجندتي السمراء .. قرأت … الاسم “……. “.. العنوان ” …..” تاريخ اول لقاء كان بيننا ” …..” رقم الهاتف “……….” …
” هنا في نفس المكان .. كان أول لقاء بيننا .. رأيتها صدفة مع ابيها .. لن انسي هذا اليوم ما حييت .. السماء كانت ممطرة .. وبرق ورعد يكاد يخطف بالأبصار .. والشتاء قارص .. جلست بجوارها .. مرتعشاً من شدة البرد .. دار بيننا حوار .. لا أدري كيف بدأ .. او كيف انتهي .. فقط أحسست حينها .. أنها نصفي الأخر .. الذي طالما بحثت عنه .. ورأيت فيها إنسانة .. مختلفة تماماً عن كل الآتي عرفتهنّ.. في البداية شدني جمالها الهادي .. والهدوء الذي كان يملأ وجهها البلوري المشّرب بالحمرة .. وأدبها الجم .. كانت صدفة جميلة .. تضحك بصوت عالٍ … ألتفت..تضرب كفها بكفه .. يتألق وجهها .. يبرق .. تلمع عيناها ” أبوها رجل فاضل , وقور .. كان حديثه معي .. ينم عن عقلية متزنة .. ورأى راجح .. وكنت أسمع إليه .. وأنا أسترق اليها النظرات .. من حينِ لآخر..حتى لا يشك في الأمر..”رفعت رأسي نظرت .. كان لم يزل يسر اليها حديثه .. وهي منسجمة معه .. مصغية له باهتمام .. مبتسمة له ابتسامة خفيفة ..أمسكت قلمي تلفتُّ عن يميني .. فتحت صفحةً بيضاء .. ورحت أكتب وفيها أقول : … {{ لو تأتى الأن .. لو يأتي أُستاذي الفاضل .. في تلك اللحظة الرهيبة , العصيبة عليّ .. لتريني ما تصنع .. حين تسمع وتري.. بأم رأسك .. كتفه في كتفها .. وعيناه في عينها .. وهما يتهامسان ..ويضحكان .. ترى ما أنت فاعل .. وقد رأيت ما رأيت .. وسمعت ما سمعت .. وهي تجلس مع رجلِ غريب .. غيري .. لا أعرفه .. وقد التصقت .. الأكتاف .. والأرداف .. والساق بالساق .. وأنت الرجل الوقور .. الفاضل .. الرشيد .. هه .. ههه .. لقد أكلت مخي بالفضيلة .. والشرف .. وكدت تجعلني مجذوباً مثلك .. جعلت منك شيخاً .. وصرت لك مريداً .. تسألني , ولا أسألك .. وتعترض على , ولا استطيع الرد .. وأسلم لك كل شيء .. وأؤمن به , ولا اعترض .. واعلم انك كاذب .. مخادع .. وعندما أراك قادماً .. أقوم إجلالاً .. وإكباراً .. وحباً..وكرامة .. وأُؤثرك بمقعدي .. لتجلس انت فيه , وتتربع .. وأنا علي رأسك أقف ..أخدمك .. وأقيك الزحام .. وحر الشمس , المحرقة في الصيف .. وبرد الشتاء .. لكني الآن أعترف .. أن ما فعلته قديماً .. ليس كان من أجلك .. بل من اجل فتاتك .. تلك المستهترة .. ال………..” .. والتي تقطع الآن .. كل حبال الوصل .. وتقلع كل ما زرعته .. من مسلمات جنونك .. في عقلي المسكين .. فاسمح لي الآن .. أن أقول لك بملء فمي ..”طظ ” .. نعم أقولها لك أنت .. فقد كفرت بك .. وبشرفك الذي تدعيه .. وفضيلتك المزعومة .. فإن فتاتك هذه .. اختارت لك .. مريداً أخرغير .. ربما يكُن أبر مني .. يحفظ عهدك .. ولا يعصي لك أمراً .. أو يسألك عن شيء .. فتحدث له ذكري .. وإن مرقتُ من يديك .. فلا تضيق صدرك زرعا .. ولا تحزن .. واطمئن .. لن تدعك فتاتك بدون مريدين .. وأتباع كُثُّر مجاذيب .. يطرقون بابك .. يطلبون رضاك .. ويرجون فتاتك .. أما أنا من اليوم .. كفرت بك .. ونفضت يدي .. وطهرت من رجسك .. وألقيت عهودك كاملة .. في المرحاض .. تبرأت منك , ومنها .. وبرئت فلتقل أنت ما تشاء .. ولتضحك هي لمن تشاء .. وعلي من تشاء ……}} … تنتهي الصفحة .. أقفل الأجندة ببطء .. وأرفع رأسي فوق .. أتمطى .. أشعر بارتياح شديد .. وبراحه غريبة .. وهدوء , يملأ نفسي .. وقد هدأ بركان الغضب بداخلي .. رميت نظرة سريعة عليهما .. نظرة باردة .. وهو لم ينتهي بعد من الهمس .. والّمس.. والنظرات .. والفتات.. وهي لم تتوقف ضحكاتها .. يقترب القطار من المحطة .. أنهض .. أُنزل حقيبتي .. أتمشي في ردهة القطار بتؤدة .. وأنا أُغادرهما , دون ان ألتفت اليهما .. ترن في أذني ضحكة مقززة , مفتعلة .. أضحك في نفسي .. أضع حقيبتي علي كتفي .. أقفّز جاكتي الجينز .. اشد سُسْتَتَه .. اضع يدي في جيبِ الجاكيت .. اقترب من باب العربة .. والقطار يدخل المحطة .. وأنا أخذ طريقي إلي الباب .. والرصيف يعج بالركاب …و ……

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
مدونة لا تموت
التالي
بحران

اترك تعليقاً

*