القصة القصيرة

أحلام الطيور

حلمها بالطيران كان يراودها في الصحو والمنام، كانت تقفز من على سطح البنايات ولا تقع بل تطير بجناحيين كبيرين سحريين…

لايمكنها ان تنسى شعور السعادة الغامر الذي يملأ روحها وهي تتسلق شجرة الزيتون المزروعة أمام باب الدار و تقفز فاتحة ً ذراعيها على وسعهما كما لو أنهما جناحان حقيقيان…

كانت لما تزال ابنة السنوات الستة…حينما نهرتها والدتها ومنعتها من تسلق الأشجار والقفز وحتى من اللعب مع غيرها من أولاد وبنات الحارة…
وكان عليها أن تساعدها بأعمال البيت بعد عودتها من المدرسة ….

ولما تعلمت القراءة والكتابة صارت تقرأ الكتب و تشرد معها في حلمها الذي يأبى مفارقة مخيلتها فتطير إلى بلادٍ بعيدة و عوالم مختلفة عن عالمها الضيق القاتم…
أبى والدها إلا أن يوئد المزيد من أحلامها فجعلها تترك المدرسة وهي لم تنهي بعد المرحلة الإعدادية، لتلازم البيت بحجة مساعدة والدتها الحامل في أعمال البيت وتربية نصف دزينة من الأولاد والبنات هم أشقاؤها وشقيقاتها

وصارت ملزمةً بالقيام بمزيد من العمل..
لم تعد تجد الوقت للقراءة لكنها كانت تعيش حلمها الجميل وهي مستلقية ليلاً بعد يوم حافل بالعمل أمام التلفاز كجثة هامدة هدها التعب والنعاس….

التلفاز الوحيد تم نقله إلى غرفة نوم والديها واخوتها الثلاثة الصغار…

مرت شهور كثيرة نسيت معها حلمها القديم..بل لم يعد لديها أساساً أية أحلام…إلى أن صحا الحلم مجدداً عندما التقت نظراتها بنظرات ابن الجيران الوسيم التي كانت تتسمر عندها حيث تقف وراء نافذتها كلما مر في طريق ذهابه وإيابه من عمله

كانت تشعر معها بأنها جسدها قد فقد ثقله وارتباطه بجاذبية الأرض لدرجة تجعلها تطييير وتحلق عالياً في السماء….
شعور جميل دافئ تختبره للمرة الأولى…

وأحست بأن حلمها هذه المرة سيتحول إلى حقيقة عندما باح لها حبيبها بحقيقة مشاعره تجاهها وبانه ينوي التقدم لخطبتها…

جارهم السمان كان هو من قتل آخر أحلامها قبل أن يبصر النور…عندما طلب يدها من والدها الذي لم يتردد في الموافقة عليه رغم فارق العمر الكبير ببنهما،ورغم أنه أرمل ولديه ثلاثة أطفال من زوجته المتوفاة….فهو عريس جاهز لديه بيت و دكان وسيدفع المهر الكبير الذي طلبه الوالد

وتقرر موعد العرس سريعاً بدون حتى انتظار رد العروس…

وفي يوم العرس وسط ضجيج المدعوين.. اختلت العروس بنفسها لترتدي فستان زفافها المزين بالؤلؤ و الريش الأبيض…
برقت عيناها الحزينتان بالفرح وقد أن أحست فجأة بجناحيها ينبتان…جناحين حقيقيين هذه المرة…
تعرف جيداً ماذا ستفعل…
ستطير من نافذتها الى نافذة حبيبها
وضعت كرسياً عند النافذة المفتوحة…
وقفت على افريزها العريض…
فردت ذراعيها وقفزت…
دوى في الشارع صوت عظيم لشيء يرتطم بالارض مقابل سيارة العروس المزينة بالورود…

وسرعان ماتجمع الجيران والمدعوون حول العروس التي أمست جثةً هامدة وسط بركة من الدماء و الريش الأبيض الملطخ بالدم.

السابق
حبرٌ على ورق
التالي
الفَرِيسَةُ

اترك تعليقاً

*