القصة القصيرة

أحلام النوارس

بين كتفيك خم دجاج ! ينقب في كل تلافيف دماغك ! الأرض تأبى أن تتحملك : قطرة زيت محجوزة في ماء مرجل يغلي ! كرة تدور بين رغبتك في فردوسك وخيارك بين برو عقوق أمك ! لم يكن لك من خيار آخر .العقوق أرحم من هذه الأرض المتشققة : أحدب يحاول الانسلاخ عن حدبته ، تتنكر للماء الذي شربت ! والهواء الذي تنفست !
رائحة البحر جميلة ، مغرية ،جذابة : تشمها ممزوجة بروائح الطحالب وعطور الشقراوات واللحم الأبيض ، تتملى بتقاسيم وجه أمك تتغير ،تهدهدها كوابيس ما قبل الفجر .تنتعل حذاءك، تختار عقوق أمك وأنت تعرف : لن تلدك مرة أخرى ! تتبخر من البيت : قطرة ماء في صحراء ملتهبة روائح عطور الشقراوت و النبيد ترميك في متاهات استمناء ذاكرتك المثقوبة ، يلتصق بها التافه من الأشياء!
البحر يغفو ، زفراته تتقطع : زفرات محموم يقاوم برودة البلل وحرارة جسد متخشب ! يفتح عينا ويسد أخرى ،يشله أثر النعاس ، يتتاءب يقذف بكتل ضخمة من الزبد فوق رمال مبللة ،بياضها يميل إلى الصفرة ، تتكسر عند قدميك ، تستسلم لناموس التلاشي : مويجات بيضاء صغيرة ،تتناثرفقاعاتها القزحية وتتبخر في الهواء ! رذاذ البحر عذب يسكرك ينشط منك الذاكرة ، ويستفز فيك رغبة مجنونة في ركوب غمار البحر والموج و الخطر ! تخط أحلامك فوق حبيبات رمال ملونة ! تمتزج ملوحة الزبد بعفونة واقعك وراءك ! صفحة ماء البحر تعلو و تنخفظ : حشرجة مكتومة تمخر صدر آيل للموت ، تغريك : ترسم ملامح رحلة تيه و هذيان بحرية ، قد تعود أو لا تعود منها سالما !
قويدر رفيق دربك ينعم بدفء حضن شقراء أجمل من القمر وأنصع من الثلج ، وأ عذب من العذوبة نفسها ! يركب سيارة، عريضة فارهة ، تعب البنزين عبا ، لا يعيرها اهتماما ، جيبه متخم بالعملة الصعبة ! مرآة ترى في نقائها تقاسيم وجهك القمحية بوضوح. يقول قويدر ، القذر في قاموس حسدك :
-الدنيا امرأة شبقية تستعذب الاغتصاب : تركلها بالحذاء على المؤخرة ، فتعانقك بملء الصدر وتلفك بالدراعين !
الفلس يخلق من البلادة حكمة ! العملة تحول بلادة قويدر حكمة ! أنت أطلقت عليه هذا اللقب ! كان يقدر فقط على التلذذ بابتلاع مخاطه المائل إلى الاخصرار ! قويدر أذكى منك ! ها أنت تقتفي أثره، تلتقط أعقاب سجائرشقراء طويلة ، ترميها في وجهك دميته الرومية الشقراء ! فأين أنت إذن من هذا المعتوه؟! آه عفوا ، من منكما المعتوه ؟ أنت يا مفلس أم قويدر ؟!
إلى وقت قريب كان يستعطفك لتجود عليه بشطيرة رغيف ، أو ثمالة شاي حامض ! قويدر أقدر منك ومن قدرك ! قطع حبل الصرة ، وعض ثدي أمه ،تخلص من جاذبية حضنها ، وركب موج البحر ، قويدر يا أبله وضع كفنه فوق راحته ، وضع أناه تحت مداسه و داس عليها !
عن جدارة استحق المقاعد الجلدية الناعمة الملمس ، و الرومية الفاتنة ،الدمية الشقراء : قطعة شمع ناصعة مصقولة تلتهمها نظراتك الجوعى !تعجز عن تجرع حموضة كبتك ! تتسبب لك في انفجارات بركانية عظيمة يتبخر دخانها ممزوجا ببلل جبينك !
روائح العملة الصعبة تمنعه من مصافحة جيفة عفنة مثلك ، حفظت المثل : (لا تحتقر كيد الضعيف ربما تموت الأفاعي بسموم العقارب ) لكنك لم تستوعب الدرس جيدا ، قويدر عقرب يميتك بسم حسدك موتا بطيئا : يصافحك بسرعة البرق الخاطف ، يخاف منك ، فيك رائحة البؤس والفقر و شئ من الماضي الأليم !
ماذا فعلت أنت بنصيحة أمك : تشدك أسفل سافلين ،جاذبية الفقر والبؤس ! أيعجبها أن تراك أمامها تقتات كل يوم من ريعان شبابك ؟ ربما تتجاهلك وأنت تجمع أعقاب السجائر من أرصفة المقاهي ! تردد على مسامعك أسطوانة إحباط قديمة : البحر يا ولد يستطيب لحم العوام ! ما باله هذا البحر ؟ ها هو أمامك كطفل صغير يتوسد قبضتيه ويغوص في أحلام براقة شفافة،لا لون لها كأحلامك الباهتة ! غضبته رحمة للعباد ! كلنا نغضب ،أليس من حقه أن يغضب ويحلم ؟ البحر رغبة جنونية شبقية تستعذب القلوب الصخرية ، وتكره آهة الجبناء ! زمن قريب جدا ، على شاطئه الجنوني الجنوبي ،كانت حشود الفلك تتهادى وتتمايل في حركة سريعة تبدو :مؤخرات فيلة هائجة ،تهدهدها أمواج البحر :مهد بكر أم ساذجة !
المراكب تقودها طيور النورس في أجوا ء السماء و الدلافين في أعماق البحر و ترشدها إلى الجنة الخضراء !يحرق مردة البحر السفن على مقربة من تلك الصخرة العظيمة التي تحرس أبواب الفردوس! السيوف تقارع سيوف أشباح تحرس هذا المعبرمن جهنم إلى الجنة ! صراط عظيم يفصل بين الحياة والموت ! بين الفقر والغنى ! بين قويدر الأمس وقويدر اليوم ! لا أمل في الرجوع ! لا رجوع ! لا رجوع لا عودة ! هو صبر ساعات قليلة فقط !
أحرق أنت أيضا أفكارك القديمة ! أغسل دماغك، الحياة الكريمة تضحية لا رائحة لها ،لا لون لها ! لا تخف ربما تعاف أسماك القرش لحمك ! تلمع السيوف في دماغك ! وميض حريق السفن في عرض البحر يلفك بتاريخ القائد البربري ! تستأمن دلافين البحر على حياتك! وتهب أنفاسك لطيور النورس ! تعصى والدتك ، طاعتها لم تفدك بشيء ! تأخذ عودا يابسا تخط خطة هروب عظيم من الجحيم إلى الفردوس على الرمال ! على سطح الماء ! على أديم السماء ! تعجبك خطة القائد ، تدقق في كلمات خطبته كلمة ، كلمة ! تتفحص سحنات العابرين سحنة ، سحنة ! تكاد تعد ألياف عضلاتهم ! تجد نفسك لا تقل عنهم أهمية . ستنجح في العبور لا محالة ! صفعة قوية من الخلف على قفاك، تشعل حشودا من النجوم أمامك ! ركلة قوية على مؤخرتك تنتشلك من لعبة الهذيان ، تعيدك إلى جادة الصواب ! صوت قوي جهوري رنان ، لم تتبين تقاسيم وجه صاحبه يصرخ فيك :
-يا ابن العاهرة ! كلكم تريدون العبور إلى أرض غير أرضكم ؟ ما بالها أرضكم ؟ يغمض عينيك بقطعة قماش أسود ! يصفد أحلامك ، تستنتج خطأ فهمك لتاريخ القائد !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
تجاهل
التالي
الفرحة الموعودة

اترك تعليقاً

*