النقاش العام

أذكر أني توقفت في عديد المرات عن الكتابة

لاشك أن الخلفية المعرفية وهاجس البوح واختلاف زاوية الرؤية تعد زاد النص، وبالتالي فإن نقصان أو ثبات هذه المسببات قد يدخل الكاتب في مرحلة إحالة على الاستيداع الإبداعي تتفاوت مدتها بين كاتب وآخر ولدى نفس الكاتب من مرة لأخرى،
أذكر أني توقفت في عديد المرات عن الكتابة بعضها طالت فترته للحد الذي جعلني أخمن أني لن أكتب بعدها وأن عهدي بالقلم قد انتهى، وقد كانت المرة الأولى في منتصف الثمانينات بعد أن نشرت بعض الإرهاصات الأولى في الصحف اليومية وكنت انتظر صدى ما ولما لم يرتد خلت أن الأمر لن ينفع وأن لا أحد يهتم وأن لا جدوى من المواصلة، ولا أذكر كم استمرت تلك المدة لكن باتصال مكتب اتحاد الكتاب الجزائريين حينها بي وحضوري إليهم وقراءتي للنصوص التي كانت من جديدهم حينها أغراني على العودة، وأن لا شيء يكون قد فاتني مادام النص الإبداعي في المستوى الذي تركته فيه، وجمعت حينها مجموعتي القصصية الأولى،
و تكررت حالة الاحتباس الحراري لكتابة النص مرة أخرى لكن بطريقة مخالفة حيث اشتغلت على نص من ناحية اللغة والأسلوب والتأثيث والبناء يغاير ما كنت فعلت سابقا ووجدتني لا أستطيع تجاوزه الوقت الذي صدرت فيه مجموعتي القصصية الثانية، وكثيرة هي الأعمال التي تصدر دون أي صدى، حيث يحمل الكاتب نسخه من المطبعة ويعود بها إلى اللاحدث مما يعيده مرة أخرى إلى السؤال : ما جدوى الكتابة ؟
أقول أن مرحلة محاولة تجاوز النص أو على الأكل الكتابة على معياره طالت للحد الذي خشيت فيه أني لن أكتب بعدها نصا إبداعيا فتفرغت لقراءة الأعمال الجديدة، وأنصحني هنا وأنصح الأصدقاء باستغلال فترات الفراغ من الكتابة بقراءة ما يكتبه الغير حتى لا نفوت على أنفسنا قراءة النصوص الجميلة والجيدة، وحتى لا تمر تلك النصوص دون الالتفات إليها، ورحت أنشر قراءات انطباعية على عديد الأعمال التي قرأت في الشعر والقصة والرواية، ولأني كنت أدرك جيدا أن العودة للكتابة تحتاج إلى صدمة طيبة فقد فكرت وجسدت لاحقا الفكرة في السفر لما يبعثه من كوامن ولما يمكن أن تحدثه المشاهد الجديدة في النفس، ولأني كنت خبرت أوربا بالتوجه إلى فرنسا مرات عديدة فقد وقع اختياري هذه المرة على المشرق العربي وكانت عمان بما تؤثثه في مساءاتها من هدوء وروية ولقاءات محجي وعمرتي، وصدقتني وعدها حيث أنجزت خلال زيارتين لها مجموعتي القصصية الثالثة – روح الأبالسة – والتي أودعتها هناك مطبعة وعدت مرة أخرى للكتابة خارج النص الإبداعي، وقناعتي الآن أن الربيع لا يخلف وعده وإن تأخر، وأن المثير للكتابة لن يكون خارجيا فقط، بل في أعماقنا أيضا وبالعودة إلى ذواتنا نجد في أقاصي الذاكرة عديد الأعمال التي خلناها في فترة ما قد سقطت، لكن يكون آوان نضوجها قد واتته الفصول في الحاضر.

السابق
تنوير
التالي
صدمة

اترك تعليقاً

*