القصة القصيرة

أربع وعشرون ساعة …

طرق عنيف على الباب الضخم للزنزانة الضيقة ، الوقت أبكر من المعتاد ، قبل أن يصحو هو ويمارس صلاحياته كحكمدار للعنبر، وجدهم فوق رأسه يهزونه بعنف ، صحا مفزوعا كأنما لدغته عقرب .
أمره القائد بجمع المساجين في الباحة الكبيرة في وسط السجن .
هناك أمر جلل أكيد ، حدث نفسه وهو يصيح فيهم؛ بين يقظة وصحو وقفوا جميعا يستمعون .
قال القائد في اقتضاب : لدينا تجربة جديدة ، سيُمنح واحد منكم أربع وعشرون ساعة كاملة ليمارس حريته خارج السجن، يعود بعدها لسجنه.
حددنا وقت التنفيذ بوصول مسجون جديد ، عليكم ترشيحه الآن .
أصوات طيور الصباح تملأ الأفق كأنما تقف فوق رؤسهم ، أعلم أم حلم ما سمعوه! منهم من يفرك عينيه يحاول فهم ما يحدث ، مفغورة أفواه الباقين .
أفاقتهم صرخة مدوية : تصرفوا بسرعة ، سننهي الإختيارحالا ، أمامكم خمس دقائق فقط وإلا …
تلجم لسانه ، لم ينبس ببنت شفة ، تعلو الأصوات والهمهمات ، تخرسها صيحة انتهاء المهلة .
برغم اللغط والضغط ارتفعت الأيدي لتشير لشخص بعينه: وقع الإختيار عليك ، أمامك دقائق ويبدأ يوم الحرية .
يقلبها في عقله : لي حق بالحرية ، لأمارسه إذن ، حتى ولو كان ليوم واحد ، تبا لهذه الأسوار العالية .
ببطء يتابع خطوات من يقتادونه للخارج ، لحظاته طويلة كأنما توقفت الساعة عندما توقفوا أمام البوابة التي اكتشف ضخامتها .
لم يكن قد رآها من قبل ، مغمضة عينيه دخل السجن قبل عشرين عاما ، مرت كألف عام تائها بهذا الجب العميق .
تشريفة ضخمة جاءت بلحظة الصفر والنزيل المنتظر، دفعته أيد غليظة وصوت جهوري خشن خارج الباب ، خرقت أذنيه كلمات كطلقات الرصاص من أفواه الحرس تحذره عاقبة التأخر .
ردد بلعثمة غدا في نفس الوقت ، إلى اللقاء يا أصدقائي .
أغلقوا خلفه الباب .
جديد عليه إحساس وجوده خارج الأسوار، أعاده لذكريات أيامه الأولى ، مع آخرين وصل بعد رحلة مضنية ، حاملين أمتعتهم لاهثين صاعدين التلة التي عليها المبنى ، يصم آذانهم سيل سباب وشتائم من الجميع ، تغشاه ظلمات فوق ظلمات تنعقد بعقله وقلبه ، تزيدها مرارة ظلمة بداية الليل بالزنزانة في أماسي الشتاء ، لازمه سؤال مؤرق هل إلى الخروج من سبيل ؟.
غصة تغتال فرحته ، أنها مجرد تجربة قصيرة ، وما الضير في ذلك ؟ يطمئن نفسه فشئ أفضل من لاشئ .
صامتا جلس ممددا قدميه وظهره للبوابة ، يمتد البراح الفسيح أمامه كسماء صافية ، مستمتعا بضوء الشمس ، كأنه يسيرعلى رأسه ويطء صفحتها في هدوء .
راحت السكرة وجاءت الفكرة ، عصف بذهنه سؤال : ماذا أنت فاعل يا فتى ؟ قالها ساخرا .
حدد ضربة البداية باكتشاف المكان ، متعة تستنفذ بعض الوقت .
شده هدير الموج ونسمة تحمل رائحة رطوبة البحر ، اقتادته للنزول سريعا للشاطيء .
توقف أمام المرفأ الصغير ، قوارب تجلب المؤونة وبعض الجنود يحتل البؤس والشقاء ملامحهم ، كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون .
أقلقه وجوده بالمكان ، رجال المرفأ وجوههم صلبة بعيون متحجرة تطلق سهاما نارية ، تناسى جوعه من شدة الخوف ، جبن أن يطلب منهم شربة ماء .
آثرالهرب نحو مياه صافية رائعة ، تناديه نحو الأعمق ، تستوقفه بنادق مشرعة لقنص من يقرب الماء ، يردد هامسا : السلامة في ترك المغامرة .
عاد أدراجه يسير بمحازاة الشاطيء ، يلتمس بعض نسائم طرية تلعب بأشجار الغابة الكثيفة ، لعلها تخفف حدة الطقس الخانق .
قر بظل سنديانة ضخمة ، تتجاذبه لحظات الحاضر مع ذكريات بطريقها للإندثار، أوقفت هربه الدائم من أسئلة بلا إجابة :
من أنا ؟ ولماذا إخترت هذا الطريق ؟
أليس مؤاثرة السلامة طوق نجاة من براثن وحش السياسة ؟ . ولكن ما فات قد فات ولايد لنا فيما هو آت .
أماتت فكرة الهرب في مهدها ؟ هل يعلم من اختاروه أنه مقطوع من شجرة ؟ .
لايعرف عن ظروفه أحد ، خارج نظام الأسرة بلا ولد أو زوجة ، أنهت خلافات الفكر قصة حبه سريعا ، أصابته فوبيا المسؤولية ، انحازلفكرة عدم جدوى زواج ينتج بؤسا يزيد ما يكتظ به العالم .
مات الأبوان ، تباعدت الرسائل ، ومضى الأخوة كل في طريق ، لعل بعد المسافات جعلتنا موتى بنظرهم ، وللأمانة كما نعتبرهم نحن أيضا، هكذا حدثته نفسه.
الجوع ، عدوه الأول في هذه اللحظة ، المواجهة خاسرة ، لا طعام معه ، ولا أمل بمجيئه بموعده كالمعتاد ، غارق بإحساس الفشل ، هائما على وجهه يسير…
لاحت على البعد وجبة شهية .
تسلق بمهارة شجرة جوز الهند الوحيدة ، بذل جهدا خارقا في اصطياد ثمراتها ، أدمت قدميه بعض حراشفها .
ولما كان الصيد وفيرا شرب وأكل واحتفظ ببعضها لباقي اليوم .
استلقى على سجادة رائعة من النجيل الأخضر ، متوسدا حذاءه تحت رأسه ، فراش وثير ألطف من حشية الزنزانة القذرة ، امتد الظل والأفق أمامه وسيعا ، نام قرير العين .
أفاق يذكر حلما واحدا ، يدور في السجن مع زملاء الزنزانة ، يعيش معهم وبهم ، وربما لهم ، أليسوا هم من نصبوه زعيما لهم ؟
الله ، ما أحلى الحياة مع من تحب ، حتى ولو في زنزانة ضيقة ، ماذا تريد يا رجل أكثر من كسرة خبز وشربة ماء ؟
والحرية ، ياه الحرية ، ما أصعبها حينما تأتي في غير وقتها المناسب ونتيجة لكفاح طويل .
أين لمة ساعة الغداء ؟ لعل أحدهم يأخذ نصيبي من الطعام والماء ، هناك فعلا من يحتاجه ، صارمة وقاسية هي قوانين السجن ، الطعام بالحضور فقط ، و(الغايب ملوش نايب ) .
يجلسون الآن لموائد الطعام ، مع نكات عم عطية ، مؤمن أبدا بفلسفته في الحياة ، يذكرني دوما ستفرج إن شاء الله ، لا تدعو الحياة تلهو بنا ، الأفضل أن نسخر نحن منها .
يحبه الجميع ، ويحبونني أنا أيضا ، علي أن أقر بهذه الحقيقة ، وجودي بينهم مهم جدا ، لست بأكبرهم ولا أحسنهم تعليما ولا أكثرهم نضالا ، لعله الرزق من الله ، أو هو حكمة بالغة وإيمان شديد بما أقول وإخلاص فيما أفعل ، هكذا يقول دوما عم حسين ويؤمن مارسيل على كلامه .
ما أحوجني الآن لهؤلاء ، تبا للوحدة ، هل تخشى الجلوس مع نفسك ؟ تجلس وحيدا بين الناس يوميا فما الذي تغير ؟ .
هناك معطيات أخرى ، فلا بدائل ، مجبر على ذلك ، الغصب يفسد كل طعم لذيذ وشهي .
مازال يهيم على وجهه ، وتهجره روحه لأحبابه هناك ، فلعلهم الآن يتعرفون على النزيل الجديد .
أسئلة كثيرة أكيد يسألونها ، عن المدة والسبب ، الإسم والعنوان ، الأسرة والماضي ، عن طعم المستقبل في عينيه .
صمت طويلا ، مرهق عقله ، قلبه لا يتحمل مزيدا من الضغوط ، نظر للأفق البعيد وتمنى أن تنتهي الساعات الباقية بسرعة .
بطريق العودة تثاقلت الخطوات ، مال الظل للناحية الأخرى مؤذنا بالغروب ، متعبا يصعد التلة ، جالت بذهنة تسلية اعتبرها شيقة ، غلبته مهنته ، يتفحص المبنى من بعد .
قلعة حربية قديمة ، تحتل مساحة نصف التلة ، بناء عتيق خليط من طرز معمار القرون الوسطى .
مبنى ضخم جدا ، لكنه يبدو أصغر من أسفل الهضبة ، أعادله ذكرياته كمعماري والتي توارت بالظل منذ سجنه .
يقترب أكثر، يدور حول السجن من كل جهة ، أنهكه التعب طوال النهار ، الحرارة مرتفعة رغم غروب الشمس ، منظر رائع جدا ، لوحة ربانية لاتضاهيها رسومات رينوار وسيزان ومانيه ، يضحك بمرارة ، وهل السجين يفكر بالفن أولوحات رينوار؟ .
هل هذا الوقت مناسب لذلك ؟ .
سؤال غريب ، كيف لايفكر بالفن والجمال من يمارس الحرية ؟ بلع ريقه بصعوبة حينما وصل للبوابة التي ستنهي التجربة .
تدور بقلبه حكايات كثيرة عن الحرية ، حولت لحظاته لشربة ماء باردة بللت شفتيه وسط هجير حياته الممتد من زمن ، لعل تذوقه لها الآن أفضل من موته دونها .
مئات الأفكار إصطرعت بداخله ، مجبر، يلعب بشروط مجحفة ككل لعبة بالحياة .
هزته الحقيقة ، صرخ ، مخطيء من قال التجربة خير برهان ؟
منطق المغامرة ، مفتقد له من سقط بقاع التعود ، أفقدته العزلة معنى الأشياء وزخمها ، فلا الشباب بقى شبابا ولامتعة الإكتشاف والتجريب لها نفس الطعم الذي كان .
زايلته النهاية كنهاية حكاية أم خائفة على إبنها الغر الذي يمارس السياسة لأول مرة .
أنهكه التعب ودخل أول الليل ، أحس بميل شديد للنوم ، رغم أنه نام بالظهيرة ، يقاوم النوم مسندا ظهره للبوابة ، ثم راح بسبات عميق .
لاح ضوء الفجر، تناهت لسمعه أصوات زملائه مبكرين خرجوا لقضاء حاجتهم .
طرق الباب بشدة لفترة طويلة ، لم يجبه أحد فأسند رأسه للباب منتظرا الدخول ، يفتح الباب فيفر مسرعا ، مندفعا كحبيسة فكوا قيدها أخيرا ، لايبالي بشئ فيرتطم بجانب الباب وحراس الحاجز .

السابق
قراءة نقدية في نص “أحلام مستحيلة”
التالي
عطش النص ورؤيا الواقع

اترك تعليقاً

*