القصة القصيرة جدا

أزمةٌ

تتوالى النقرات على جدار جمجته الداخلي كفرخ يتأهب للخروج من البيضة، كلما امتشق قلمه ليثبتها اختفت. يحملق في الفضاء باحثًا عنها بلا جدوى، تلاشت كقطرة ماء تعدت مرحلة الغليان فتبخرت، هل أصيبت أفكاره بالعدوى فصارت تغضب وتهجر وتنأى وتتدلل كالبشر؟
هل آن لبحر الإبداع الزاخر أن يجف؟ ولشمس العبقرية الساطعة أن تنكسف؟ كيف لبركان ثائر أن يخمد نشاطه فجأة دون مقدمات؟ حتى الزلازل قبل توقفها تدفع ببعض التوابع ثم تهدأ. ما أصعب أن يخسف القمر وهو بدر، وأن تجفَّ الشجرة في الربيع!
منذ تولى رئاسة القسم الأدبي وأرقام توزيع الجريدة في تصاعد مضطرد، ثناء القراء على قصته الأسبوعية لا ينقطع، وانتظارهم للعدد التالي بشغف زائد، لفت انتباه رؤسائه وجعله موضع حفاوتهم وتكريمهم، كما لفت أنظار نظرائه وجعله موضع كيدهم وحسدهم، كيف لا وهو حصان السباق الجامح الذي اشتعلت الحلبة بنزوله، منذ كسر كل الأرقام المسجلة، واجتاز كل الحواجز ببراعة؟ وتخطى المنافسين بلا منازع؟
بزغ نجمه في سماء القصة القصيرة حتى صار حديث النقاد، بعضهم يتنبأ له بمستقبل باهر أوصله أحدهم إلى نوبل، وقصره آخرون على جوائز تشجيعية، وأغلبهم يسلط عليه سياطه اللاذعة، وأصبح له مؤيدون يتبنون آراءه ويدافعون عن وجهات نظره، ومعارضون يتهمونه بالسرقات الأدبية والسطو على جهود من سبقوه، صار ضيفًا على المحطات الفضائية والصالونات الأدبية وبرامج “التوك شو” وتوالت عليه عروض الناشرين والمترجمين، ولم تغفل عنه عيون الكبار، فدسوا له من يحصي عليه أنفاسه ويراقب حله وترحاله، ويحلل ميوله الحزبية وآراءه السياسية ونشاطاته الاجتماعية والخيرية وتوجهاته الفكرية، ومصادر الدخل والصرف واهتماماته الجماهيرية حتى حياته الخاصة وسهراته وأصدقائه من الجنسين.
بدأ يتوجس خيفة من كل شخص، ويتحفظ من كل كلمة، ويقدر موضع كل خطوة، الأفكار السابحة في شرايين إبداعه تجلطت، اللسان المنطلق كالسهم أخذ يتلجلج، القلم الثائر شرع يهدأ، مقص الرقيب الحاد طال بعض أعماله، أحس سخونة الخطوط الحمراء الملتهبة تحت قدميه، بدأت الدفة في التحول، منذ انطفأت فجأة كل المنارات، واكتشف مغبة السباحة ضد التيار.

السابق
الوفاء
التالي
جرعات

اترك تعليقاً

*