مقالات

أزمة الناقد العربي المبتدئ أمام الطرح النقدي المعاصر

أزمة الناقد العربي المبتدئ أمام الطرح النقدي المعاصر من خلال تصور عبد العزيز حمودة.
ارتكز النقد العربي المعاصر على نظيره الغربي فهما وتطبيقا، لكن هذا الارتكاز لم يمنحه الطمأنينة العلمية التي كان ينشدها بل أوقعه في تخبط منهجي، وصار النقد يتأرجح في فلك نظريات نقدية غربية؛ من جهة لا يمكنه التغاضي عنها لحمولتها العلمية الهامة، ومن جهة أخرى أثبت الواقع قصر تلك المقولات عن تخريج قراءة نقدية منعشة، مما أوقع الفكر العربي المعاصر ككل في أزمة. وكان عبد العزيز حمودة من أكثر النقاد الذين سعوا إلى البحث في تلك الأزمة، وقد لفت انتباهنا في طرحه عديد القضايا التي تخص أزمة «الناقد المبتدئ» وهو يواجه هذا الزخم النقدي. وعليه، أردنا في هذه المداخلة التطرق إلى العوائق التي يعيشها كل ناقد في بداية مسيرته الأكاديمية مع تشخيص أسبابها وبيان نتائجها استقراء مما جاء به عبد العزيز حمودة. هذا العجز في تمثل المقولات النقدية ساهم في فشل تكوين ناقد مبدع، يجتهد في فهم فكر الآخر أكثر مما يسعى لبناء نظرية عربية، يجتر ما سبق أكثر من بحثه عن الجديد.

لعل عبد العزيز حمودة من أكثر النقاد الذين أسهموا في تجلية الفكر الفلسفي والنقدي المعاصر بشقيه العربي والغربي، وهو في كتبه بالإضافة إلى تبسيطه لمفاهيم نقدية وفلسفية يقدم تجربته الشخصية أثناء اصطدامه بالنقد العربي المعاصر، بكل تشعباته الفكرية وأدواته الإجرائية ومفاهيمه اللانهائية، حيث يمكننا الاستماع في ثنايا كتبه إلى سرد ذاتي يصور أزمة عاشها هو ويعيشها كل ناقد عربي في بداية مسيرته الأكاديمية والمعاناة التي يتكبدها قبل أن يصل إلى تشكيل مفهومية واضحة لمختلف المصطلحات النقدية الغربية المترجمة، حيث يعرض للقارئ الحال الذي يعيشه الناقد العربي المبتدئ، وشعور العجز الذي يحيط به أمام هذا الكم الهائل من الدراسات والفلسفات والتناقضات. فحيرته هي حيرة كل مبتدئ، وتساؤلاته هي تساؤلات كل ناقد، لهذا فتجربة عبد العزيز حمودة صورة لواقع فكري أكاديمي متأزم لابد من النظر فيه.
1. أزمة النقد العربي المعاصر:
سعت الدول العظمى بفعل الانفتاح الذي وقع بعد الحرب العالمية الثانية إلى جعل العالم قرية صغيرة، وإحداث مثاقفة بين كل الشعوب، ولم يكن العالم العربي بمنأى عن ذلك، فدخل هو الآخر لعبة المثاقفة، التي تعد “رافدا مهما تسعى كل أمة من خلاله إلى معرفة الآخر واستثمار ما لديه من قيم ومعطيات إنسانية وحضارية، وإلى تنمية كيانها الثقافي بشكل خلاق وغير مضر بمقومات الهوية القومية وثوابتها.” لكن الوضع السياسي والاقتصادي ومن ثم الثقافي لم يسمح له بدخولها الند بالند، فالتبعية التي يعاني منها العرب في الوقت الحالي ليست تبعية اقتصادية فحسب بل امتد أثرها إلى الحياة الثقافة والاجتماعية للأفراد. فالظروف السياسية والاقتصادية المربكة التي تعيشها الدول العربية انعكست على منتوجها الفكري، فراحت تقتبس من الغرب معظم المعارف في المجالات العلمية والإنسانية. فأحدثوا قطيعة مع المخزون المعرفي التراثي، وصار العرب يبحثون عن أرضية فلسفية لانشغالاتهم انطلاقا من مما توصل إليه الغرب.
ليلتفت النقاد بعد ذلك إلى بلورة رؤيتهم وفهمهم للمناهج المعاصرة؛ وهكذا كتب “مفكرون وباحثون ونقاد عرب في الفكر والنقد، بدءا بزكريا إبراهيم، وصلاح فضل من مصر، وعبد الفتاح كيليطو من صدوق نور الدين، ومحمد برادة، ونجيب العوفي من المغرب، عبد المالك مرتاض من الجزائر، وفؤاد أبو منصور من لبنان، عبد الله إبراهيم من العراق…، وغيرهم. ومن الملاحظ أن هذه المنهج النقدي بدأ من بلدان المغرب قبل المشرق، بسبب إطلال مثقفي المغرب مباشرة على الثقافة الأوروبية، وشيوع الثقافة الفرنسية في هذه البلدان، ثم أخذت به بلدان المشرق العربي.” وأثناء عملية الترجمة والفهم اتجه بعض النقاد إلى التراث باحثين بين تلابيبه عن التصورات الغربية الحديثة، فكشف اللثام عن أعمال قيمة تخص العديد من الناقدين الأفذاذ، أمثال: عبد القاهر الجرجاني، حازم القرطاجني، السجلماسي، والفارابي، ابن سينا، ابن رشد. من هذه الفكرة الخاصة بالأخذ من الغرب أو العودة إلى التراث وقعت صدامات بين النقاد العرب المعاصرين، بين دعاة تأصيل المناهج النقدية على أسس عربية تراثية، وبين دعاة تكييف المناهج الغربية مع الواقع العربي، غير أن الجميع يتفق على ضرورة أن تكون تلك الأطروحات والفلسفات قابلة للتموضع في البيئة العربية.
فمن الظاهر تبدو هذه الحركة النقدية منعشة بناءة، إلا أنها في طياتها تحمل إشكالات عدة يعرفها معظم النقاد، وتعد أزمة المصطلح من القضايا التي تؤرق النقد العربي المعاصر، وقد حظيت بمراجعات هامة من طرف النقاد، فإذا كان المصطلح النقدي في دياره يعاني من الاضطراب فإن “الشأن فيه يزداد استفحالا إذا انصرف إلى الثقافة النقدية العربية الحداثية خصوصا، إذ أضحى من الحتمي نقل العدد الجم من هذه المفاهيم السيميائية واللسانياتة ، المعقدة غالبا، من تلك اللغات الأوربية إلى العربية، التي ترى كل كل واحد من باحثيها يشتغل وحده، مشرقا ومغربا، فتكثر الجهود ولكنها تهدر، وتبدل الطاقات ولكنها تجهض، وتقل أثناء ذلك الفائدة.” حيث أضحى نحت المصطلح يرتبط بالترجمة، مثلما يقول شكري عياد:” …قضية اختلاف الترجمات، اختلاف الاجتهادات في الترجمات، في المغرب يترجمون بطريقة، في لبنان يترجمون بطريقة، وكذلك في مصر. يترجمون المصطلح الواحد بثلاثة مصطلحات أو أكثر، وربما في داخل البلد الواحد.” أما تبني المصطلح وشهرته بين عامة النقاد فيرتبط بالجهوية، مما أوقع الكثير من المآزق الفكرية بين المشرق العربي والمغرب العربي.
كما يعاني النقد العربي المعاصر من أزمة توتر بين النظرية والتطبيق،” لأن النقد، باعتباره قراءة ذهن مدرب على التذوق، دارس لإنجازات الأدب الإنساني في الميدان الذي ينتمي إليه العمل الأدبي وتراثه، يقوم بخلق جسر قوي بين القارئ والعمل الأدبي، من جهة، وبين العمل الأدبي وتراثه، من جهة أخرى. بالصورة التي تضمن استمرار التطور، وتقي الحركة الأدبية من النكوص، والجمود، والانتكاس، وتساعد الكاتب المبدع على إرهاف أدواته الفنية، وتعميق وعيه بإمكانيات الجنس الأدبي الذي اختار الإبداع فيه.” فالنقد العربي سار على منوال النقد الغربي في نهله من المعين الفلسفي، وبحثه عن ذاته ودورانه في فلك مقولاته النظرية، وابتعاده عن الممارسة الأدبية، لذلك ظل النقد متعاليا عن النصوص الأدبية باستثناء المشهور منها، وهذا باعتراف النقاد أنفسهم، مثلما يوضح شكري عياد: “الأصل في أي حركة نقدية أن تكون مراقبة لإبداع أدبي، والغالب الآن على النقد الأدبي الذي ينشر أنه نقد نظري، بينما التطبيقات الإبداعية قليلة جدا. وهي كعادة هذه الدارس التي تفضلت بالحديث عنها تأخذ نصوصا معينة، وغالبا ما تأخذ نصوصا لكتاب بارزين، أو شعراء بارزين.” أو مثلما يكشف جابر عصفور: ” فنتيجة لهذه الإشكالية الضخمة التي يمر بها النقد الآن، أن يكون منتجا وليس مستهلكا، فإن النقد قد بدأ يتأمل نفسه، ومن هنا غلب التنظير أكثر من التطبيق، وليس معنى هذا بالطبع غياب التطبيق، التطبيق موجود، لكن التنظير صارت له أهمية.” و يرتبط هذا بظهور ما يسمى ميثانقد حيث تحول اهتمام النقد من النص الأدبي إلى ذاته، وبدل البحث عن أدبية الأدب راح يستعرض أدبيته هو، مثلما سنرى مع عبد العزيز حمودة.
بالإضافة إلى المصطلح وتضخم التنظير، يطرح عبد العزيز حمودة قضية النفور بين الفكر والواقع، فالأفكار غربية والواقع عربي. فالأفكار التي تطرحها الفلسفة المعاصرة لا تستجيب للواقع العربي، ومن هنا كانت الحداثة وتبعاتها هي نقطة الانطلاق التي بدأ منها عبد العزيز حمودة نقده للفكر العربي المعاصر أدبا ونقدا، حيث أثار الكتاب الأول له المرايا المحدبة زوبعة نقدية بين المفكرين العرب؛ إذ جاء في وقت تعالت فيه الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في النظريات النقدية الغربية، فكان كتاب عبد العزيز حمودة جامعا لكل انشغالات النقاد الذين احتاروا أمام الحداثة ومخلفاتها على الثقافة العربية، وقد جلجل صوت عبد العزيز حمودة لأنه كان وليدا للثقافة الغربية إذ أنه تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الانجليزي من جامعة كورنيل الأمريكية، وعليه فهو لم ينقد الحداثة الغربية من الخارج وإنما من داخلها، فقد عاش الحداثة في نسختها الغربية، كما عاشها في نسختها العربية، واستطاع بناء على ذلك فهمها في أصولها وفي الثقافة العربية التي رحلت إليها. فجاء عنوان كتابيه الأولين المرايا المحدبة والمرايا المقعرة، والكتاب الثالث الخروج من التيه.
والإشكالية التي انطلق منها عبد العزيز حمودة في نقده للحداثة هي عقد مقارنة بين الحداثة العربية والحداثة الغربية التي تمتد إلى القرن السابع عشر؛ حيث وقعت تحولات واسعة في الحياة المدنية الأوربية، واستمرت إلى غاية القرن العشرين، لينتقل المجتمع الغربي إلى ما بعد الحداثة، في حين أن العرب على حد قول عبد العزيز حمودة لا زالوا يعانون من أمية ثقافية، كان سببها “استعمار خلف وراءه فقرا وجهلا، خلف أمية أبجدية عجزت الأنظمة العربية في بلدان كثيرة عن التعامل معها، ناهيك عن الأمية الثقافية المركبة والمعقدة، والتي تجعل من التطورات الحضارية والثقافية، وتزايد سيطرة الثقافة المهيمنة في السنوات الأخيرة، تجعل التعامل مع هذه الأمية الثقافية كالحرث في الماء.” وهو يرى أن الحداثيين العرب يغضون الطرف عن هذا الواقع مسلمين بضرورة تطبيق مفاهيم الحداثة على الواقع العربي طوعا أو كرها، متهمين كل من يعارضهم بالتخلف والرجعية.
كما ينسف عبد العزيز حمودة شعار الأصالة والمعاصرة الذي رفعه الحداثيون العرب؛ في دعوتهم إلى التمسك بالتراث دون إهمال المفاهيم المعاصرة، فهو يعيب على النقاد العرب اتباع حداثة الغرب، كما يتهم بحثهم عن منابع الحداثة في التراث بالبحث الزائف وبأن شعار الأصالة والمعاصرة ما هو إلا شعار يتغنون به حتى لا يتهموا بأنه ينسخون عن الغرب كل أفكارهم. مثلما يوضح جابر عصفور: “أظن أنه في علاقة الحداثة بالتراث علينا أن نفهم أن هذه العلاقة ليست علاقة نفي مطلق وإنما علاقة اتصال وانفصال. اتصال بالعناصر الإيجابية في التراث، تلك العناصر التي تدفع إلى تجاوز الحاضر. وانفصال عن العناصر غير الإيجابية التي تثبت الحاضر ولا تدفعه إلى التجاوز، وبهذا المعنى فكل حداثة في آخر الأمر، خصوصا الحداثة العربية، هي حداثة تراثية بالمعنى الخلاق لكلمة تراث.” هذا الطرح الخاص بالحداثة والذي يرى حمودة أنه مقنع جدا في تصوره الظاهر يخفي في جانبه الفعلي النقل الحرفي عن الحداثة الغربية، وتأثرهم الصريح بالحداثة الغربية:” فهم يتأرجحون بين ادعاء الأصالة وإنشاء حداثة عربية تختلف عن الحداثة الغربية في مقولاتها ومصطلحها النقدي، في الوقت الذي تكشف فيه كتاباتهم بصفة مستمرة عن تأثرهم الواضح، إن لم يكن نقلهم الصريح، عن الحداثة بمفهومها الغربي. وهنا تكمن أزمة الحداثيين العرب في جوهرها.” فالخطأ الذي يرى عبد العزيز حمودة أن الحداثيين العرب وقعوا فيه هو أنهم لم يفرقوا بين الحداثة والتحديث، والتحديث عند عبد العزيز حمودة يعني: ” الحفاظ على منجزات العقل العربي مع الاستفادة من منجزات العقل الأوربي في العلوم والتكنولوجيا، كما فعلت اليابان إلى عهد قريب.” وعليه، فإن الحداثيين العرب سعوا إلى الحل السهل وقطف الثمار مباشرة فأخذوا الصالح والطالح، فإذا كان الفكر الغربي قد مر بعدة تحولات قبل تبينه للحداثة بصيغتها الحالية، فإن العرب انتقلوا إلى آخر مرحلة منها، وهو ما جعل تطبيق مفاهيم الحداثة على أرض الواقع مستحيلا.
2. الصعوبات التي تواجه الناقد العربي المبتدئ حسب تجربة عبد العزيز حمودة:
إن الصعوبات التي يواجهها الناقد في بداية مسيرته الأكاديمية نجدها في ثنايا كتب عبد العزيز حمودة، ونستطيع استنتاجها من تجربته الشخصية التي سرد فيها علاقاته الأولى مع النصوص النقدية، فتجربة عبد العزيز حمودة تماثل تجارب عديدة يعيشها الباحثون العرب في بداياتهم العلمية، حيث يقف الناقد المبتدئ أمام الزخم النقدي العربي عاجزا، فالتصورات والمفاهيم التي يطرحونها تشكل له عقبة لا يستطيع تجاوزها إلا بعد عملية معرفية واسعة ومسيرة متأنية، وهذه الصعوبات يمكن إجمالها فيما يلي:
‌أ. الفكر الفلسفي الغربي الغريب عن ثقافتنا:
تختلف الثقافة الغربية عن نظيرتها العربية، ومن هذا المنطلق عاب عبد العزيز حمودة على النقاد العرب السعي وراء نظريات نقدية غربية غريبة، والاجتهاد في تبنيها بعيدا عن الموروث النقدي العربي، مؤكدا على أن لكل حضارة خصوصيتها، والتي لابد من الاستناد المنهجي عليها، حتى يتلاءم التنظير مع التطبيق. فقد” تمثلت الحداثة الأوربية منذ بدايتها في الصراع مع المؤسسات الدينية وقوانين الكنيسة والتقاليد الاجتماعية والمفهومات الموروثة، ثم في مرحلة متأخرة مع التقاليد الأدبية لصالح مبادئ الحرية الفردية والابتكارات الفردية.” هذا الصراع نقله المفكرون العرب، وتبنوا أقواله نظريا من دون أن يحدث صراع مماثل له في المجتمع العربي، فاستناد الحداثة العربية على المفاهيم الغربية أوقع أزمة بين التنظير والممارسة؛ فقد قام المفكرون العرب بعملية عكسية هي تبني صراع نظري وهمي ومن ثم محاولة تجريبه داخل المجتمع، فهو يعيب على الحداثة العربية بعدها عن الواقع الاجتماعي العربي، فبقي الحداثيون في برجهم العاجي يتحاورون حول حداثة يوتوبية ومجتمع ينأى عنهم، يقول عبد العزيز حمودة: “أما النتيجة الأخرى التي ترتبت على موقف الحداثيين العرب في تحولهم المحزن إلى نخبة يكتب بعضهم لبعض، ويحاورون أنفسهم، ويخاطبون أنفسهم، مما أدى إلى عزلتهم المبكرة عن الجماهير.” لهذا اقتصرت مفاهيم الحداثة وما بعدها على النخبة، وظلت بعيدة عن الساحة الجماهيرية الشعبية التي لا تزال تعيش ظروفا اقتصادية تمنعها من التفكير في العبث الذي تنادي به الحداثة.
فالطرح الفلسفي الغريب عن الثقافة العربية من أهم الأسباب التي تشكل عائقا أمام الناقد المبتدئ، حيث أنه سيحاول استيعاب مفاهيم فلسفية بعيدة عن واقعه، فإذا كان مصطلح الحداثة قد تجسد مفهوميا وعمليا في الحضارة الغربية، مما جعله يبتعد عن كونه مفهوم فلسفي محض بل أصبح يتصل بالحياة المعاشة لأفراده، من خلال نمط الحياة، العمران، الاقتصاد، الحياة الثقافية من أدب ومسرح، وسينما وفن تشكيلي، فإن مفهوم الحداثة في الفكر العربي ظل رهينا للكتب وللتعريفات النظرية للنقاد، وهو ما أوضحه عبد العزيز حمودة من حلال نقضه لها: ” إن الأخذ بالحداثة الغربية وتجلياتها النقدية، يعتبر نوعا من الترف بل العبث الفكري لا نستطيع، ولم تستطع حتى الآن، أن تنقذه التبريرات المختلفة التي يسوقها النقاد الحداثيون العرب من دعاوى الأصالة واستقراء التراث.” وهذا ما يعمق أزمة الناقد المبتدئ الذي يدخل إلى الفكر الحداثي بتصور خال من أي أفكار مسبقة عنه، فهذا الناقد وليد مجتمع لا يزال يعيش ظروفا اقتصادية واجتماعية أبعد ما تكون عن الحداثة وترفها، ومن ثم يكون أول اتصال له بالحداثة اتصال نظري في الكتب المترجمة وليس واقعا معيشا. وبناء عليه، يكون فهمه لها فهما نظريا أبترا، فهما لها في بيئة غربية وليس بيئة عربية، وهي تشبه ما قاله شكري عياد عن النخبة العربية المنظرة للحداثة: “حينما وصف الحداثيين العرب بأنهم يعيشون بأجسامهم في مصر، ويعيشون بعقولهم ومشاعرهم في أوربا (أو يتوهمون ذلك).” فالحداثة في المجتمع الغربي هي نمط حياة قبل أن تكون تنظيرات فلسفية، فهي تمثل ذلك التأثير المتبادل بين التحول الفكري والتحول الاجتماعي للفرد الغربي. على عكس المفكر العربي الذي يعيش الحداثة بين صفحات الكتب دون أن يتمثل مقولاتها في حياته لأن الظروف التي خلقت الحداثة في المجتمع الغربي غير تلك التي عاشها المجتمع العربي.
‌ب. الغموض واللغة المترفة:
كان من مساعي عبد العزيز حمودة تفكيك النقد المعاصر ورفع اللبس عنه، وبيان أصوله ومفاهيمه وتقربيه من الأذهان وبالتالي كسر حاجز الانبهار، لذلك صرح منذ بداية كتابه الأول المرايا المحدبة أنه لن يعتمد على اللغة النقدية بل سيعتمد على اللغة التعليمية البسيطة، جاء هذا التصريح منه لأنه في ثنايا الكتاب شن هجوما على اللغة النقدية التي كتب بها النقاد العرب المعاصرون، واعتبر أنها من الأسباب التي حالت دون فهمه للفكر الحداثي ولتلك النظريات.
ويقسم الغموض إلى قسمين أولهما غموض غير مقصود، يتعلق بعدم الفهم الصحيح للنظريات الغربية التي يترجم لها النقاد يقول: “الغموض غير المقصود من النوع الذي لا يغتفر، فمن ناحية النتيجة فإنه يؤدي إلى تشويه الأفكار والمفاهيم الأصلية. أما أسبابه فهي الأخرى لا تغتفر لأنها تنشأ إما عن سوء فهم النص الحداثي وإما عن سوء نقله إلى العربية، وفي معظم الأحيان عن الاثنين معا.” فهذا الغموض يتعلق بالترجمة وعدم الفهم الصحيح. أما الغموض المقصود فقد أوجده النقاد الغربيون أنفسهم، حيث يتهمهم بتعمد الغموض حتى يظل النقد في أبهى صوره ويحس غيرهم بالنقص والعجز، كما عجز هو في بدايات مسيرته، وهذا الغموض يتصل باللغة المترفة التي يستعملها النقاد، حتى لكأنها تصبح في حد ذاتها غاية لا وسيلة لإماطة اللثام عن جماليات النص. حيث تعمدوا الكتابة بلغة نقدية تتحدى اللغة الأدبية، وبالتالي تحويل الاهتمام من النص إلى اللغة النقدية، مما يجعل فهم النظريات النقدية في أصولها أمرا بالغ الصعوبة، يقول: “تعمد الحداثيون وما بعد الحداثيون الغربيون إلى اختيار الغموض والمراوغة أسلوبا للكتابة حتى يجهد القارئ عقله في فهم النص النقدي وإن أدى ذلك إلى ضياع النص الإبداعي[…] ولهذا تمثل قراءة استراتيجيات ومشاريع النقد الحداثي وما بعد الحداثي تحديا حقيقيا أمام الحداثي العربي الذي قد لا يكون معدا لغويا أو ثقافيا للتعامل معها.” إن هذا الغموض الذي يتعمده النقاد يجعل من النص النقدي غاية في حد ذاته بدل أن يكون وسيلة لفهم النص المراد وهو النص الأدبي، فيتحول القارئ حينها من بدل الجهد في فهم النص الأدبي إلى بدل الجهد في فهم النص النقدي. فاللغة النقدية المترفة جعلت من النقد لا لغة نقدية لنص أدبي وإنما غاية في حد ذاتها، وأضحت هي الأخرى تستحق النقد: ” لم يعد النقد في العصر الحديث في الفلسفة النقدية المعاصرة، في الثلث الأخير من القرن الحالي، لغة هامشية، بل أصبح لغة لا تقل إبداعا عن إبداع النص الذي يتعامل معه، وأنه يجب أن يدرس هو الآخر في ذاته، شأنه شأن النص الأدبي، بل أصبح أيضا نقدا للنقد أو ميثانقد Metacriticism”
هذا الغموض من قبل النقاد الغربيين يجاريه غموض آخر يتسابق نحوه النقاد العرب، الذين لم يكونوا هم الآخرين بعيدين عن اللغة المترفة، وهنا يشير عبد العزيز حمودة إلى أن ذلك الغموض قد يكون عن فهم صحيح للنقد الغربي الغامض، وقد يكون غموضا عن عدم فهم مما يزيد الأمر سوءا، أما الضحية فهو هذا الناقد الذي يعتمد على النخبة في فهمه وبلورته لمشاريعه الأكاديمية. فهذه اللغة النقدية المترفة تزيد من معاناة الناقد المبتدئ، الذي يلج في عوالم فكر فلسفي غريب من بيئة مختلفة، ويقرأه بلغة لا يكاد يفهمها، معناه أنه سيبدل الجهد في موضعين موضع الأفكار وموضع اللغة.
‌ج. الفهم الخاطئ من قبل نخبة النقاد:
العائق الآخر الذي يقف في وجه الناقد المبتدئ هو عدم تمثل نخبة النقاد للمقولات النقدية الغربية التمثل الصحيح، فالنقاد هم الوسيط بينه وبين المفاهيم الغربية. ويعطي عبد العزيز حمودة أمثلة عن الدراسات العربية للبنيوية، التي تنحرف عن الإطار المنهجي للبنيوية الغربية، هذا العجز الناتج عن الفهم الخاطئ من قبل بعض النقاد صوره عبد العزيز حمودة في وقوفه أمام التحليلات البنيوية للخطاب الأدبي والذي وقف هو ذاته أمامها عاجزا، يقول:” مما كان يعمق ذلك الإحساس بالعجز، تلك الرسوم التوضيحية (يفترض أنها كذلك) والبيانات والجداول الإحصائية والرسوم المعقدة من دوائر ومثلثات وخطوط متوازية ومتقاطعة وساقطة، والتي كانت تبعدني ومازالت حتى اليوم عن الأعمال الأدبية موضوع المناقشة، بدلا من أن تقربني منها. فقد كنت أقف أمامها في عجز كامل عن فك طلاسمها أو “شفراتها” كما يحلو للبنيويين أن يقولوا.” فهذا الخلط بين أصول البنيوية كما جاءت عند الغرب ومن ثم تطبيق النقاد العرب لها بما يخالف ذلك، قد أوقع المتتبع لتلك الدراسات من النقاد المبتدئين في حيرة بين الأسس النظرية للبنيوية وبين تمثيلها التطبيقي على النصوص.
مثلما يوضح حمودة عند قراءته لكمال أبو ديب، وكيف وقف عاجزا أمام التحليل شبه الرياضي للقصيدة الشعرية، ذلك العجز الذي كان في بدايته عجز انبهار وليس عجز نقد وحوار، أي أن الناقد وقتها أرجع النقص إلى قلة اطلاعه، وليس إلى تخطي تلك البيانات لحدود النقد الأدبي ودخولها به إلى متاهات لا نجاة منها: ” ولكنني والحق يقال، توقفت كثيرا عند لوغاريتماته كلها، عند دوائره ومثلثاته، خطوطه المتقاطعة والمتوازية والمنحرفة، وزاياه الحادة والمحرفة ولم أفهم شيئا.” فإذا كان من أهم مبادئ البنيوية هي الدراسة الشكلية المجردة للنص الأدبي بعيدا عن أي مرجعية خارجية فإن الكثير من النقاد لم يلتزموا بهذه الأسس؛ فكانوا يرجعون إلى الواقع السوسيولوجي العربي. وهذا ما يتفق مع قول عبد العزيز حمودة من أن النظريات الفكرية الغربية لا يمكن لها أن تنسجم مع الطرح العربي؛ فالبيئة العربية بيئة تعتز بالهوية وبالقضايا الاجتماعية والسياسية لها، فلا يمكن للقارئ أو الناقد العربي أن يقرأ النص دون إسقاطات، على عكس القارئ الغربي الذي باستطاعته قراءة النص بحاسة ذوقية جمالية بعيدا عن أي سلطة مرجعية، فكأن الإبداع العربي إذا أفرغ من محتواه ومضمونه القومي لم يعد له أي قيمة أدبية. كما أن هذا العجز في فهم مقولات البنيوية استمر حتى بعد انحسارها في أواخر الستينات، ففي حين ارتقى الغرب إلى نظريات ما بعد البنيوية كان النقد العربي لا يزال يتخبط في أزمة المصطلح النقدي، وأزمة الاستعمال المنهجي لأسسها. كما يعيب حمودة على النقد المعاصر الإغراق في التجريد واستخدام البيانات والجداول والرسومات لإيضاح دلالة النص، فينتهي بهم بدل إضاءة النص إلى الوقوع في تعتيمه، وإفقاده جماليته.
هذا الفهم الخاطئ من قبل بعض النقاد يرجع إلى أن المفاهيم التي جاءت بها الحداثة الغربية، والمصطلحات التي استعملها النقاد في النظرية الأدبية، والطرح الفلسفي الذي تميز به النقد المعاصر تجعل تلك النصوص عصية الفهم في أصولها من قبل القارئ المثقف، الأمر الذي يجعل فهمها من قبل ناقد مبتدئ في لغة أخرى وثقافة مختلفة أمرا أصعب أو الأحرى أمرا أقرب إلى عدم الفهم، يقول عبد العزيز حمودة : “رغم انتماء المصطلح النقدي الغربي إلى تراث فلسفي غربي، فإن المتلقي المثقف، وليس المتلقي العادي، يجد صعوبة في تحديد دلالته، فما بالنا إذا كان هذا المصطلح الغربي الذي يكتسب شرعيته ودلالته داخل الإطار الفكري للفلسفة الغربية، يستخدم الآن في النسخة العربية للحداثة خارج هذا النطاق الفكري.” فهذه الإشكالية الخاصة بالنقل من النقاد تتصل بإشكالية أخرى وهي ضرورة قراءة النصوص النقدية في لغتها، والتي أحيانا تكون مفهومة أكثر مما هي عليه في الترجمة، وهنا نصادف مشكلة أخرى نواجه الناقد المبتدئ وهي عدم امتلاكه لغة أجنبية.
‌د. عدم تمكن الناقد الشاب من اللغة الأجنبية:
الترجمة ظاهرة علمية فعالة في المثاقفة بين أمم العالم، والترجمة العربية عن النصوص الغيرية موجودة من القدم وقد اهتم الخلفاء المسلمون بالترجمة وشجعوا عليها، فنقلوا مختلف العلوم عن اليونانية، السريانية، الهندية، والفارسية، وبرز العديد من المترجمين أمثال: إسحاق بن حنين، ثابت بن قرة، قسطا بن لوقا البعلبكي، يوحنا بن البطريق، أبو عبد الله الفزاري، متى بن يونس. فالترجمة تفتتح آفاق الاطلاع على الخبرات التي توصلت إليها باقي الشعوب؛ ” فالترجمة ومتابعة ما يدور في العالم، ترهفان قدرة الذهن الأدبي على التعامل مع الكثير من ظواهر مجتمعه وقضاياه، وتنميان مقدرته –من خلال الاحتكاك الدائم بالآخرين- على الخلق والإبداع.” غير أنها في النقد المعاصر تحولت من ضرورة ثقافية لإحراز التنمية والتقدم في المجال العلمي والأدبي إلى أزمة، مما جعل الاعتماد على الترجمة ليس بالخيار الآمن الذي قد يساعد الناقد مبتدئا كان أو متمرسا إلى تطوير إمكاناته وآلياته. فأزمة الترجمة تضاف هي الأخرى إلى الإشكالات التي يعاني منها النقد العربي المعاصر، وقد تفطن النقاد إلى هذه الأزمة قبل عبد العزيز حمودة، وظاهرة ترجمة الكتاب الغربي الواحد أكثر من مرة واقعة في الفكر العربي المعاصر. على أنه يمكن القول من ناحية أخرى أن اختلاف الترجمات ظاهرة صحية، فكلما اختلف النقاد في الترجمات كلما اقتربوا من الترجمة الصحيحة. كما يرى عبد العزيز حمودة أن من أسس الترجمة أنه لا بد على المترجم أن يكون على معرفة تامة باللغة الأصلية وباللغة المراد الترجمة إليها، هذا بالإضافة إلى المعرفة العلمية المعمقة في مجال التخصص، هذه الشروط التي تغيب عند الكثير من النقاد، والأمثلة التي ساقها دليل على ذلك.
لكن لا خلاف في أن عدم امتلاك الناقد المبتدئ للغة الأجنبية يعمق الهوة بينه وبين النظريات الغربية، فيصير عبدا للفهم الذي اقترحه عليه الآخر من النخبة الحداثية، كما أنه يستغرب –أي عبد العزيز حمودة- أن يتكلم الناقد العربي عن الفكر الغربي ومن ثم لا تكون في هوامشه مصادر أجنبية بل على الأكثر مصادر أجنبية مترجمة، ” ربما يكون من المفيد أو العملي أن نعزل مشكلة تهدد بالتحول إلى ظاهرة، خاصة عند جيل الشباب الذين لم تتح لهم القدرة على التعامل مع نصوص حداثية مكتوبة بلغات أجنبية، لماذا هذا اللف والدوران؟ ولماذا لا نقول مباشرة: من لا يجيدون لغة أجنبية؟ الظاهرة التي بدأت بالفعل أن الإنسان يقرا بحثا أو مقالا حداثيا باللغة العربية وعندما يتوقف عند المصادر والهوامش يكتشف أنها تخلو من أي مراجع في لغتها الأصلية. أي أن كل مراجع الباحث الحداثي الشاب مراجع مترجمة وأخرى مؤلفة بالعربية، وبين النوعين يضيع الباحث والبحث العلمي.” فكل نتيجة يتوصل إليها هذا الناقد تكون نتيجة حتمية لتوجيه أساتذته ممن أسعفهم الحظ فهم الحداثة الغربية في لغتها، مما يجعل الناقد المبتدئ بعيد عن الأصل بدرجتين. فالناقد المبتدئ الذي تعذر عليه فهم النقد الغربي في ترجمة النقاد العرب أو ضمن أبحاثهم لزام عليه التوجه إلى الكتب الأصلية وقراءة النظريات في أصولها، فعدم امتلاكه للغة الثانية سيحول دون فهمه الصحيح لها، فالترجمة وإن كانت تقترب من النص الأصلي لكنها لا تستطيع أن تغني عنه، فإتقان اللغة الأجنبية هو ما سيجعل الناقد يتمكن من الفهم، مثلما يظهر في تجربة عبد العزيز حمودة الذي صرح أنه لم يستطع فهم الحداثة في الكتابات العربية، ووجد ضالته في الكتابات الغربية بعد قراءته لها في أصولها.
ختاما يمكننا القول أن هذه الأزمة النقدية بدأت منذ الترجمات الأولى للفكر البنيوي وما بعد البنيوي ولا زالت إلى الآن، والأسباب التي وضحها عبد العزيز حمودة مستقاة من تجربته الشخصية، فعدم الفهم هو الإشكالية الأصعب التي تحاصر النقد العربي الذي أدى به إلى الاجترار ومنع عنه الإتيان بالجديد، فظل محاصرا في قوقعة التكرار، عدم الفهم هذا هو ما جعل النقاد العرب يبدلون الجهد في تفكيك مقولات النقد الغربي بدل تطويرها أو تكييفها لتنسجم مع الطرح العربي، فيتحول اهتمامه من البحث عن أدبية النص إلى تطبيق آلية منهجية عليه وفق ما تقتضيه التقاليد الغربية، كما أن اللغة النقدية المترفة تزيد من هم الناقد الأدبي، فضيع الجهد من البحث عن دلالة النص الأدبي إلى محاولة فهم النص النقدي الفلسفي. وهذا ما يظهر في البحوث الجامعية والدراسات النقدية التي تنمي فكر التبعية والاجترار.
وبعد الضجة التي أثارها كتابه الأول طولب عبد العزيز حمودة بالإتيان بالبديل، فحاول قراءة التراث بمنظور جديد يبحث فيه عن نظرية نقدية عربية، والجدير بالذكر أن الانطلاق من التراث لبناء نظرية نقدية ليس بالمهمة السهلة لكنها ليست بالمستحيلة أيضا. فقصور النقاد العرب عن إنتاج نظرية حداثية تأسيسا على التراث لا يعود إلى قصور التراث بل لقصور المثاقفة الذاتية بين النقاد العرب، فالتراث العربي لا يقل غنا عن التراث اليوناني والتراث الأوربي. فالإتيان بالبديل لن يكون عملا فرديا ولن ينجح بتصور فردي، فمهمة الإتيان بالبديل مهمة جمعية وليست فردية ولابد أن تتضافر الجهود بين مختلف النقاد، وتقدم دراسات للفكر العربي التراثي من كل الاتجاهات، وأن ينمى الفكر القومي العربي في الجيل الجديد من النقاد، فعلى النقاد المبتدئين التشبع بالفكر التراثي العربي، حتى تكون قراءتهم للفكر الغربي المعاصر قراءة نقد وتمحيص، لا قراءة انبهار واتباع، وهو ما حاول عبد العزيز حمودة بدل الجهد فيه ليرحل مسلما مشعل مواصلة البحث عن حداثة عربية أصيلة للجيل الناشئ.

السابق
ملامح السرد في “الحبق والصبار”
التالي
أحوال

اترك تعليقاً

*