القصة القصيرة جدا

أزيز

هو من فرع العائلة المنطلق لأعلى؛ وأنا من الفرع الذى تدلَّى .. لم تتشابك أغصاننا يومًا .. ولكنه الواجب.
السرادق مكتظ .. وجوه أعرفها لوجهاء، وأصحاب مراكز، ونخبة .. ووجوه لاتختلف عنهم لاأعرفها .. أشار أحد المنظمين ـ وما أكثرهم ـ إلى أحد المقاعد؛ فجلست .. لغطٌ كثيرٌ من حولي .. اشتباكٌ بين الأفواهِ والآذان لاينقطع .. يخفت مع ارتفاع صوت القارئ، ويعود واضحًا مع فترات صمته .. تخترق مسامعي بعض شظاياهم .. هذان السمينان عن يميني يتسم حوارُهما بالهدوء:
_ ياباشا أنصحك تكِنّ لما الهوجة تعدِّي .. الحكومة عنيها مفنجِلة، وودانها تسمع دبِّة النملة .. داري على شمعتك …
أما هذان المتأنقان عن شمالى؛ يجري حوارُهما ناعمًا تتخلله ضحكاتٌ خافتة:
_ .. أم العيال مشغولة بالعيال .. الحرص واجب ياصديقي .. طبعًا فاهم ..
_ طول عمرك محظوظ .. أخرتك قطران ..
بينما مَنْ خلفي ـ لاسامحه الله ـ لايمل الانزياح حتى طرف المِقْعد، ثم الارتداد بثقل بدنه؛ حتى كاد ظهر مقعده يكسر ظهرى أنا .. يحاور جاره بانفعال:
_ .. استقال من الحزب ..ترشَّح مستقلاً .. يموت إذا ابتعد عن كرسي البرلمان .. الحصانة ياعزيزي .. المفتاح السحرى
_ طول عُمْره ماشى في الشمال .. اطلب له الرحمة
لم تصبني شظايا مَنْ أمامي .. فرَّق بيننا الممشى، لكن الحال ظاهِرُهُ لايختلف عمن حولي ..
صدَّق القارئ، ولم أعِ من القراءة شيئًا .. كان عقلي كما الكرة يتطاير بين الفِرَق؛ حتى أعياه كثرة الضرب .. قمت متثاقلاً أجُرُّ قدميَّ .. تتعثررأسي في السجاد الفاخر .. أخرج مُتسللاً أتوارَى من القوم.. قذفني السرادق إلى البراح .. اتنسم هواءً جديدًا نقيًّا .. الرنين المعدني في رأسى يتخافت مع خطوِيَ المبتعد ..عقلى يسافر إلى هناك .. إلى (الكَفْر) .. إلى بيتنا الطينى القميئ .. إلى الأعواد الممصوصة، المبطونة بفيروس الكبد، وفشل الكُلَى… وتلك اللافتة المُعلَّقة بعرض مدخل القرية ( انتخبوا … رمز الطيارة) .. أبتسمُ ساخِرًا ممرورًا وشفتاى تتمتمان:
_ الطيارة وقعت .. وخدنا عزاها.

السابق
الحفل الأخير
التالي
ظلال

اترك تعليقاً

*