قراءة في نص

أسطورية المنحى ونسبية الإدراك في نص “لعشب القمر حارسه”

للكاتبة جميلة طلباوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

يثير العنوان في قصة “لعشب القمر حارسه” اشكالية التعلق باللامدرك من حيث التصوّر الذهني، وبالتالي تحاول سرديته ان تنبني وفق حدود تستعير من الواقع توافقاتها حتى تمتلك امكانية التداول الفني حسب مبررات الوجود، طبقا لما يُعرف من ان القص هو نقل الواقع الى الحكاية عبر وسيط الفن، وبالتالي تضمن القصة مبرّرات حركة الوجود الذاتوي المتوافق وحركة الناص.
العناصر المفرداتية الثلاث التي تشكل جملة العنوان، بسيطة الإدراك من حيث المعنى، فالعشب يقع تحت طائلة الإدراك المادي، والقمر يُدرك بالملاحظة المباشرة السطحية، والحارس يتأسس كبعد انساني قائم على مراقبة حمائية للأشياء، لكن اضافة العشب الى القمر تكشف عن محمول سردي يناقض الواقع ويجنح نحو التجريد والغموض المحيط بمجال القمر كقيمة غير متداولة لأنها خارج مدركات الوجود الذاتي، وموضوعة الحارس تمنح الإيحاء بالاشتهاء وتثوير دائرة الممنوع على اساس الرّغبة في التواصل مع “عشب القمر” بطريقة لا يعيقها وجود الحارس.
إن عناصر العنوان تكشف عن ثلاث مستويات دلالية:
ـ ألعشب ـــ / نضارة / حياة.
ـ ألقمر ــــ / نور /طريق
ـ حارس ـــ / إنسان / قيمة
عتبة العنوان بكثافتها السّردية الإخبارية، تمفصل الدلالة وتُشرّع المعنى على مفاهيمية تَقَصِّياتية بحثية، حيث “عشب القمر” كعنصر متخيل، يميل نحو الأسطوري المتعلق بمجال استحالة، والذي يصبح في دائرة التشكل الإحتراسي (لعشب القمر حارسه) مرغوب لاعتبارين سرديين:
1 ـ علامة النور التي يثيرها القمر والتي تتحقق ضمن مسار مُضاء.
2 ـ عنصر القيمة التي تكشفها الحراسة، والتي تمنع الوصول الى العشب.
تتمحور بنية السرد عند الحد الكاشف للبحث والجري خلف قيمة مفقودة تؤول الى الأسطوري بدلالة عناصر سردية تتفاعل داخل المتن فتنجز دلالة معيّنة:
“..شيخ بلباس أبيض و لحية بيضاء ” / “لتمتدّ قامتي ويمتد ظلّه في المدى” / “نثرت هي الودع في الطريق”.
يتأسس المعنى في الوحدات السردية التي تشكل تمفصلات دالة موزّعة على مساحة النص عند حافة اللاعادي، حيث اللّباس الأبيض واللحية البيضاء يحيلان على المتخيّل المحايث لهامش الخارق غير المتوقع، بينما يحيل الوَدَع على محاولة كشف المستقبل بدلالة استعماله في التنجيم، وتقع جملة الإمتداد وسطا المعنيين لتؤكد المنحى الأسطوري في الحكاية، الذي ينسج شبكته سدى البحث عن المفقود الوجودي:
“على حافة الوادي طريق يؤدّي إلى التلّ الأخضر يعبره نهر الحياة، على ضفافه ينمو عشب القمر”.
تتحدّد الدلالة الوجودية في المقطع السردي بالوادي مصدر الرّخاء، والحياه مسرح الوجود، والقمر مبعث السعادة حيث هو مصدر النور، ولعل عناصر الوجودية هذه تتناص مع عناصر الأسطورة في “غلغامش”، حيث نهر الحياة يقابله نهر الموت الذي يجتازه غلغامش من أجل ان يصل الى موطن “أوتانبشتيم” للظفر من قعر المحيط بنبتة الخلود التي تعني “العجوز يصبح شابا”، لكن الحية الشريرة في طريق عودته تبتلع النبتة، فيستمر العطش الوجودي للديمومة، ويصبح غلغامش رمزا للبحث المضني عن الإستحالات.
وعشب القمر الذي يحيل على نبتة الخلود لم تحدد القصة نهايته، بل انفتحت نهاية السرد على خطاب غامص من حيث اختلاط الصور الوجودية والمشاعر الوجدانية:
“وجدت نفسي داخل القطار المؤدّي إلى مكان إقامتي..”
العلامتان المدمجتان في الوحدة السردية ـ القطار والإقامة ـ، ينقلان افق التلقي من الأسطرة في مسار السرد الى واقعية مدركة، يجري عليها الحس فتؤدي في الذهن بمقابلتها بعناصر الحكي في مقدّمة القصّة معنى الحلم، من حيث انها تشكل منطق العادي بعيدا عن الغرائبي.
غياب الوادي، ـ “لم يعد للوادي أثر..” ـ، يتعالق مع حالة ابتلاع الحية للنبتة، وبالتالي تصبح الحالة الوجودية المعرّفة بجلاء الحزن والبحث عن الفرح كعنصر من عناصر السعادة، تصبح مطلبا وجوديا غير متيسّر الإدراك، فتجري خلفه الرغبة، ويمتلك في ذاته تفجير استمرارية البحث المضني عن السعادة التي تتعالق مع الخلود المبحوث عنه في اسطورة “غلغامش” السومرية.
يتأسس معمار القصة من العنوان وعتبة التقديم المتمثلة في فقرة كتاب الحزن، والمتن، وتتثبت عتبة التقديم كهمزة وصل بين العنوان والمتن من حيث تناولها لموضوعة الحزن، الذي يتلبس الذات وينجلي، وبالتالي يصبح صفاء الذات كما تغيّمها غير ثابتي الإستمرار، فيتكثّف مؤدّى البحث المضني عن حالة الصّفاء، كما ان اخفاء هوية “كتاب الحزن”، تمنح التلقي رغبة قوية في استكشاف طبيعة المؤلّف للكشف عن اسباب ازالة الحزن، وهو ما يمثل التوافقات السردية بين ما هو عنصر سردي يدخل في صميم نسيج النص وما هو معطى إحالي يؤثث فضاء السرد.
يتيح اختلاط المشاعر في نهاية قصة “لعشب القمر حارسه”، ـ اتّكأت على عصاي و في عيني دموع و على ثغري ابتسام. ” ـ، معقولية الوجود النسبي في حياة البشر، حيث السعادة لا تدرك كليا ولكنّها تتخلل واقع الوجود في انصراماتها المفاجئة المتعلقة بأسباب البحث لدى الإنسان التي تخيب أحيانا “دموع” وتصيب احيانا أخرى “ألإبتسام”.

السابق
لعشب القمر حارسه
التالي
ساسة

اترك تعليقاً

*