القصة القصيرة جدا

أصـابع مريم

لم أتخل عن عادة لي قديمة منذ بلغت الْحُلُمَ؛ وهي التسكع بلا هدف في شوارع وحواري قريتنا التي تُكاتِف النيل في أحد فروعه.. كانت القرية بسيطة وفقيرة لم تعرف نور الكهرباء إلا بعد بلوغي العشرين عاما..
هددني أبي بكل ما يملك من أنواع التهديد، ورجتني أمي بكل أساليب الرجاء لكي أقلع عن هذه العادة الغريبة،فالليل غدار، وأبناء الحرام منتشرون، و خطرون..
فقط هي ليال البرد والشتاء التي كانت تحد من جولاتي، وتلزمني غرفتي، وفراشي..
متعة الليل في أسراره، وفي حرصي على إيداعها ضمن مخزون الذكريات.. لم أر فيها غريبا إلا “مريم أم السعد “.
فاجأني طولها الفارع، وأنوثتها التائهة. بل الضائعة في سرابيلها السوداء المرقعة برقع كأنها توقيعات على الجسد الممشوق من كل ثوب بال، ومن كل بيت يَدِّعِي الكرم..
أصادف مريم كثيرا أثناء جولتي وهي تدق أبواب بيوت معينة ليعطوها مما طبخوه اليوم؛ فتأخذ ماتجود به الأيدي وتضعه ” على بعضه ” في وعاء كان يستخدمه الأطفال في قضاء حاجتهم (!!!)، وقليلا ماكنت أتبينها لشدة سواد ملابسها، وشدة صمتها إلا من بعض كلمات تخرج من بين شفتيها كالفحيح، أو المواء!
لم أسترح حتى عرفت سرها من أمي.. (إنها بنت ناس، لم تتزوج ؛لأن أخاها الوحيد قاس عليها،ويستغل أرضها، ودارها لمصلحته، وجعل لها غرفة على رأس أرضه في طرح البحر تأوي إليها وحيدة عقب نهاية جولتها في التسول)…
أَمِنْتُ لها بعدما كنت أخافها، وأحسبها اطمأنت لي؛ توددت إليها مرارا، وكنت أساعدها أحيانا حتى تصل إلى عشتها فتفتحها، وتتعشى مما جمعته على ماتسرب إليها من ضوء القمر، أو النجوم.
فاجأتني ذات ليلة بوضع يدها بين فخذي ..جفلت منها ورجعت للخلف بظهري مصدوما .مشدوها؛ فتعثرتُ ووقعتُ مرتطما بتراب الأرض.. وحين أفقت تحسست موقعي فأمسكت حذاء قديما محشوا بداخله عصفور ميت، قذفتها به، وهي تبتسم وتقترب..
أسرعت، ونهضت متجها إلى البيت أتجشأ أصابع مريم، ورائحتها الطافحة بالمرض والقهر.
نمت ليلتي مكنئبا؛ ممتلئا بالأسى و بتراب يملأحلقي كتراب الآفران المطفأة.

السابق
قراءة نقدية في قراءة الأستاذة زهرة خصخوصي لنص “الأقنعة”
التالي
تعـــالَ ..تنفّــــسْ عِطري

اترك تعليقاً

*