القصة القصيرة جدا

أطباق

دخلت إلى المطعم الفسيح الذي تعودت تناول غذائي فيه..جلست إلى طاولة فارغة أنتظر قدوم النادل لتلبية طلبي..و ما هي إلا لحظات حتى غص المكان بالزبائن ، معظمهم من الموظفين بالمؤسسات المجاورة،يلبسون بذلات مختلفة الألوان، بربطات عنق موحدة الشكل، تخففوا من شنقها عند جلوسهم.. و قلة من الطلبة مثلي بلباس رياضي بخس الثمن، و أحذية مشتراة غالبا من أسواق البال..سمحت لنفسي بمتابعة تناولهم الطعام بشهوة دارس..و مشاهدة الصور المعلقة على الجدران ..قد يكون صاحب المطعم وضعها لفتح شهية زبائنه..حينها رأيت شخصا يلج المحل بلباس مزركش بألوان فاقعة، يضع تحت إبطه كتابا، طويل القامة أجعد الشعر، قمحي اللون..كان ينظر يمنة و يسرة بحثا عن طاولة فارغة بفارغ الصبر..دققت النظر فيه، ملامحه ليست بالغريبة عني..آه، نعم، إنه كاتبي الذي أشتغل على أحد مؤلفاته..قلت، هي مناسبة لأستفيد منه و أزيل بعض الصعوبات التي اعترضتني أثناء التحليل..أشرت له بالقدوم..أتى سريعا و جلس دون تحية و عبوس غريب يسكن وجهه..كتمت غيظي..وضع كتابه إلى جواره، و لما رآني أرنو إليه غطاه بكمه..
نادى على النادل بترفع، فهرع إليه يسجل طلباته، دون أن يعيرني انتباها..فزادني الأمر غيظا على غيظ، ما سمحت لبركاني بالانفجار..فبطني يغرد لحن الجوع و رغبتي تحثني على الصبر و استعجال الطعام..
حطت الأطباق الشهية متنوعة الألوان و الأشكال قربه تداعب نهمي و تثير شهيتي العمياء حتى إني كدت أسمح ليدي بأن تفرد طولها و تسبح في الغمس ..نهرت قبح تفكيرها و حثتها على الصبر ، مفتاح الفرج..فانصاعت مكرهة و مدحورة..
انكب الرجل على صحونه ، و قد شمر على ساعديه، يلتهم الطعام بشهية كبيرة ، كانت فرصتي لأقرأ عنوان الكتاب المكتوم الأنفاس، “أنانية “، تزين غلافه صورة طاووس ..و لم يرفع رأسه إلا حين أفرغ محتوياتها..خفت أن يطلب المزيد فتنفجر شهيتي تمردا على حكمتي المتواضعة..
انفرجت أسارير صاحبي، و رسم على محياه ابتسامة خفيفة..و لما علم بفضولي و أدرك سر نظراتي، بدأ يحدثني عن الكتاب :
إنه حول الأنانية المقيتة، رأيتها تضرب بقوة في مجتمعنا و تكسر روابطه و تفجر تماسكه..لقد أفرغت كل جهدي لأخرجه جامعا مانعا..زرت مكتبات كثيرة و طالعت مؤلفات عديدة ، فلم أجد ما يبل عطشي لقصورها في تناول الظاهرة ، و لأني أرغب بأن يكون كتابي لا مثيل له.._كان يحدثني بحماس كبير_، و لأنه قد أخذ مني جهدا و زمنا، فلا أريد أن يقرأه الدهماء، إنه مخصص لنخبة النخبة..
في تلك الأثناء، تنبه النادل لوجودي فأقبل علي يسألني حاجتي..
قال الأستاذ، موجها كلامه لشخصي المتواضع : حقا، ماذا تريد تناوله ؟ وقد رسم على وجهه المنشرح استغرابا..
_ أريد طبقا من لحم الطاووس!
نظرا إلي بتعجب غير مصدقين ما سمعاه..
_ لا نطبخ هذا اللحم..
_قلت، و قد نهضت غاضبا، أقسم ألا أتناول سوى هذا اللحم، و إلا أضربت عن الطعام طوال هذا اليوم..
و انصرفت راسما زهو رد فعلي بارتياح، مخلفا وراء انفجاري، حالة من الذهول..

السابق
متأمل
التالي
شبح يلتقط الحب بين الجدران ..

اترك تعليقاً

*