القصة القصيرة

أطحن

..الاكل، على الطاولة، شهي كشفتين نديتين بقطرات نبيذ معتق..المنشفة، السكين ، الشوكة..الضوء فاكهة حلوة..وصوت آلي يأمر :
– اطحن..مع راسكْ.!
اندفعتِ الاسنان كقطيع.. وكان ما يكون كل مرة.!
امتلأ بطني..مسحتُ يدي وفمي. نهضتُ. تجشاتُ، تجشأتُ حسرة ايضا لان بطني الصغير، رغم كل انتفاخه، لم يستطع ابتلاع كل الطعام.! اللعنة،لايستطيع بطني، دائما، استيعاب سعة الطاولة المتخمة، ولا كل القنينات الغالية..!
لم ادفع.. انحنى صاحب المطعم امامي بخنوع؛ كما ينحني دائما امامي كل شيء، وإلا أحنيته رغما اذا ساورته نفسه.. وقال : المطعم مطعمك سيدي، واشهى الاكلات رهن لعابك، فتفضل سيدي كل وقت، واطحن..!
رفعتُ سبابتي، وكتبتُ في الهواء : إحذر..قرأها، وتمتم : لايمكن سيدي..! وكيف له ان لايقرأها، هو الذي يدرك جيدا، انه لولا نفوذي الذي وسع كل شيء،
لما كان هنا..!؟ لولا سلطتي التي تكسر الحديد، لما انفك القيد عن معصمه، قبل ان ياخذ مكانه في السجن..!؟ كيف زارني، في بيتي ليلا،. جلس امامي ذليلا، ثم اخرج حزمة مال، وضعها على الطاولة، وبلع نظرته الحقيرة..ابتسمتُ.. وامتدتْ يدي، او امتد المال الى يدي، لتعده..! كان المبلغ كاملا، كما اتفقنا مقابل تخليصه من تبعات جريمته..؟
لن ينسى لما دفعته الى الباب، وقلتُ له :
– اطحن…
ثم اضفتُ :
– إذا ابتليتم.. فاستتروا، واطحنوا ماشاء لكم.!
قهقهتُ.. لايهمني ان يطحن لحم الحمير، او الكلاب، او حتى البشر، ويصنع منه اطباقا شهية، في مطعمه..! الاهم انه وقع في مطحنتي..! وكيف لي ان ابصق في نبع يصب في رصيدي المالي الكبير، الذي اريده ان يصبح ضخما..!؟ قلتُ لنفسي، بثقة :
– اطحن…مع سيادتكم.!
واضفتُ : حمقى يريدون ان ابصق في نبع انبثق في جيبي..!
نظرتُ من زجاج السيارة الغامق..الشارع نظيف، هادىء..الضوء الاحمر مشتعل.نظرتُ في الساعة، الموعد اقترب.! أشرتُ الى السائق، وامرتُ :
– اطحن…
فانطلقت السيارة، دون ان يوقفها احد، ( ومن يستطيع هذا !؟ )، الى البار…
كنتُ اقول لنفسي : إنها صفقة العمر، وعلي اخذ نصيب منها، يناسب مقامي..! سنقسم الادوار ..والحصص؛ لهذا علي ان ابقى متيقظا. ان لا اشرب كثيرا، إلا بعد ان ننهي تقسيم الكعكة. عندها امامك الكأس والنهد الناعم الطري، فاقطف ما شاءت لك شهوتك ان تقطف، وسبِّحْ بحمد نفوذك انه كان ثقيلا..
وليس بامكان صاحب البار، الذي يراك مهديا منتظرا يخلصه من ميقات ضرائبه، إلا ان يقول :
– اطحن…سيدي.
لكن هذا يجب ان يحصل بعد انها الصفقة.. تتويجا لها..انخابا وقُبـَلا في صحتها..! لهذا علي اقتلاع مخاوف بعضهم، واقناعهم بان لاوسيلة امامنا للاستيلاء على عقار ذاك السوق الشعبي الكبير، الذي اصبح قريبا من مركز المدينة، سوى تدبير انامل خفية للتسبب في حريق يأتي عليه تماما..! وهذا يستلزم خطة محكمة، دقيقة، تختار التوقيت المناسب، والاشخاص الملائمين، والمواد اللازمة، بطريقة تدل على حادث عرضي تسبب في اشعال الفتيل، وإلصاق الفعل بمجنون، وما اوفرهم، مثلا..؟ والحريق سيمكننا من تلافي الرفض والاحتجاجات التي ستنفجر في وجوهنا، إذا طلبنا من التجار اخلاء سوقهم القديم، العشوائي، الوسخ كالاوباش الذين يملأونه بضجيجهم وبضائعم الفاسدة وخيامهم المهلهلة..! لايهم إن احترق فيه عدد منهم، او جلهم. ولايهم امر تعويضم الذي سيتكفل به الزمن.! الاهم هو ذاك العقار الذي صار يساوي الملايير الممليرة..!
لهذا عليهم تخطي الخوف، والانتقال الى الفعل.. لاداعي للخوف، فنحن من يصنع الاسباب، ويصنع نتائجها، ويتعقب عواقبها، لا الاوباش..! الخوف الآن من رد فعل الاوباش، خيانة ستحرمنا من فرصة ترفعنا الى مرتبة نضاهي فيها اغنياء العالم..! فلماذا نخضع لاوباش يريدون لنا ان نبقى اقزاما امام اغنياء العالم..!؟
علي اقناعهم بان يذهبوا الى المرحاض، ويتغوطوا مخاوفهم الفقيرة..! ثم نضع الخطة الانسب؛ وننجز الصفقة بتقسيم الكعكة.. ولنشرب بعد ذلك نخب الحريق القادم، نخب الحريق الوعد..! نقهقه، تصطك كؤوسنا، ونقول لبعضنا البعض :
– اطحن…
لكني لم اتخيل اني ساغادر البار متعتعا بالسكر، منتشيا بنصيبي من الكعكة. لا استطيع بلوغ باب السيارة المتوقفة امامه، إلا بمساعدة السائق..! واني سأصيح في وجهه ، وهو يحاول تلافي مجنون يسير وسط الطريق، ويأخر موعد وصولي كي انام قليلا قبل طلوع النهار، غاضبا :
اطحن…
ثم انفجر مقهقها، وانا ارى العجلات تلقن ذاك المجنون درسا ، لن يفهمه هو المجنون، واقول لنفسي :
– مسكين هذا السائق المطيع كحذاء، لايدرك انه إذا زار عميد الشرطة بيتي غدا، وسأل عن الامر، سأسلمه يده المسكينة التي تمسك بمقود السيارة منتظرة الاوامر، ليضع فيها القيد، واقول لحضرة العميد :
– اطحن…
واجلب سائقا آخر…!

السابق
مواصفات خاصة
التالي
صورة

اترك تعليقاً

*