القصة القصيرة

أطراف مكسورة

جلس على المقهى يشرب كوب الشاي الصباحي ويشد أنفاس الشيشة المركزة، نادى في غضب على صبي المقهى يطلب منه إشعال النار المنطفئة على الحجر الذي لم يغيره منذ جلس، نظر له صبي القهوة في غضب وأخبره أنه قد استهلك الدخان كله، رد عليه بغضب جامح يأمره بتنفيذ الأوامر دون مناقشة، تصاعد صوتهما وكادت تتحول إلى خناقة لولا تدخل الموجودين، ثم سمعا نداءا غاضبا من أول الشارع الشعبي:
ماذا بك يا سيد؟ صوتك واصل إلى أول الشارع، ألن تهدأ أبدا؟
التفتوا إلى مصدر الصوت فإذا به المعلم رضا شقيق سيد والمقاول المعروف. لم يعره سيد اهتماما وجلس يكمل شيشته بينما سارع كل الموجودين من عمال صنايعية لنيل رضاه والترحيب به وأنفسهم تقطر حقدا عليه بعد الغنى المفاجئ الذي أصابه بعد خروجه من السجن إثر تحريره شيك بدون رصيد.
لم يعر هو بالتالي الجميع اهتماما وجلس بجوار سيد وقبل أن يطلب كانت شيشته جاهزة ومعها قهوته السادة، نظر إلى سيد وهو ينفث نار الشيشة في الهواء:
ألن توقف غضبك الدائم هذا؟ لقد انتهى صبري عليك، لا وقت عندي لحل مشاكلك المتكررة، ولا مال فائض لدي لأنفقه عليك وعلى بيتك، إما أن تعود إلى العمل أوتفارقنا يا أخي.
نظر له سيد غاضبا وحدثه بصوت خشن:
أعود خادما عندك؟ أم مساعدا للصنايعية أحمل الشكائر الثقيلة وأجهز لهم عملهم؟ أم تراك تريدني أن أقف على نصبة الشاي وأبيع الأكواب للعمال.
– وماذا في ذلك؟ ألم تفعلها من قبل؟
– نعم، عندما كنت أنت تحمل بواقي الردم على ظهرك وتتذلل للصنايعية من أجل أن يعطوك أجرا زائدا قليلا.
– اسمع يا سيد، أنا دفعت ثمن ما أنا فيه، ويجب أن تجتهد أنت لتحسن من وضعك قليلا.
– مخدرات أم غسيل أموال يا ابن أمي وأبي؟
– لا دخل لك ولا لأحد، قلتها ألف مرة، أنا ولي نعمة الجميع هنا لأني من يوفر لكم العمل في مشاريعي، أنا من يرزقكم، عليك أن تسمع ما أقوله لك، وإلا تفارقنا، يكفي أني أعطيتك شقة في عمارتي الجديدة، إعمل لتأكل وتصرف على زوجتك وأولادك يا سيد الرجال.
قام رضا والكل يقدم له فروض الولاء والطاعة، بينما ألقى سيد بالشيشة بعنف واتخذ اتجاها معاكسا ملاحقا بنظرات الشفقة وهمهمات القرف.
رن هاتف سيد، أجاب بلا مبالاة، كان رجلا يطلب منه بعض أعمال الهدم في شقته، ذهب إليه وهو يتحسس حافظته الخاوية، دخل متعاليا، عاين العملية الصغيرة، طلب ضعف القيمة المتعارف عليها، نظر له صاحب الشقة مندهشا وطلب منه تخفيض المبلغ، رفض معددا المصاعب التي سيواجهها، ثم خرج بنفس التعالي وهو يلعن حظه كما يلعن صاحب الشقة الذي أهمله ولم يرد عليه.
عاد إلى منزله غاضبا مرهقا، وجد زوجته على حالها عندما تركها في الصباح، سألته في إلحاح إن كان وجد عملا، لم يجب، تأملت ما تبقى من أثاث المنزل مارة بالمطبخ الخالي تقريبا من الطعام، تنهدت ثم أخبرته أنها ستذهب إلى أهلها عدة أيام، نظر لها طويلا ثم انفجر فيها يسبها ويسب أهلها ويلعن يوم زواجه بها، تعرف نوباته المجنونه حين ينقص ماله ويتوقف عن شراء المخدرات المعتادة في بيئته وطبيعة عمله، لم تعقب، خرجت في هدوء عائدة إلى بيت والدها الذي يعمل في نفس مجاله.
انهارت دفاعاته، ذهب في الصباح إلى شقيقه في عمارته الجديده، استقبله بلا مبالاة وطلب من مساعده أن يوجهه ليعمل مع أحد الصنايعية، صعد إلى الدور العاشر ليساعد أحد البنائين، اضطر للتعلق على لوح خشبي في الهواء، تعود على ذلك، لكنه لم يقدر نقطة التوازن هذه المرة، انكسر اللوح الخشبي ومعها فقد توازنه فهوى، عندما لامس الأرض كان صامتا.

السابق
حياة قصيرة
التالي
احلام

اترك تعليقاً

*