القصة القصيرة

أغنية للشمس وأخرى للقمر

وحيدة هي بين أماكنها، ضباب كثيف يحجب أشعة الشمس عنها، يدخل من خلال نافذتها، يتعلق بجدرانها الزرقاء، يعتم ضوء غرفتها، يملؤها وحشة ونفوراً، يتغلغل في أعماقها، تنتابها كآبة تلازمها فترة من الزمان، تهد أوصالها، فتنهض من سريرها، من سكونها من جمودها التمثالي، تتحرّك بين ردهة منزلها، كلعبة إلكترونية، تحرّكها أصابع خفية والضباب موجود في كل جانب، يخرج من أنفاسها، من عيونها، ومن كل كيانها .. ضباب، لاشيء غير الضباب والوحشة والسكون.
قالت لنفسها: حتى العصافير الصباحية آلفت الضباب وعرفت سرّ جمودي التمثالي، لأنها تعيش حريتها تعيش حياتها! هل كل العالم موحش مثلي؟ وحدي أنا التي يغازلني الضياع، لا لست وحدي. عاصم يشبهني في الوحشة والسكون لكن له نوع من السكون ينصهر حين يراني!
– أمل أحب هدوء عينيك وفيض مشاعرك
– بل قل جمودي
– صدقيني أنتِ رائعة مثل دفء الشمس في صقيع الشتاء
– أنك تبالغ في وصفي
– لأني الوحيد في هذا العالم الذي يحسب دقات قلبك، ولأننا أتينا من نبع واحد ونسمع موسيقى الحياة بأذن واحدة
– لكنها مؤلمة الإيقاع ياعاصم
– أمل أتزوجيني؟
– أنسيت أننا نحن .. أطرقت برأسها نحو الأرض وتمتمت بلا مكان آمن يضمنا
– أمل أنا أحبك
– لكننا مازلنا في انتظار سطوع الشمس
– أنتِ أملي
– أتعني بقولك أن نعتزل كفاحنا ونسبح في فقاعات هوائية لا تعرف مجتمعنا ولا حقيقة حبنا؟ فراغ بديهي ياعاصم أن نعيش دون أن نغني للشمس، ليأتي النهار من وراء جبال المستحيل، وشوارع الظلام التي آلفتها، ثم بعدها نغني للقمر، ونوقد شمعتين تحت نوره الفضي ونعلن بذلك حبنا ومولدنا من جديد، ونغني ويرقص معنا كل المحبين ألا تتفق معي؟
– أنتِ شعلة من النور يا أمل تجعلني أكثر تحدياً وإصراراً لتحديد المصير وإعلان مولد الفجر من جديد
– لأنني أرى العصافير تعيش حقيقتها، تهجر أعشاشها من فصل لآخر لأنها تعيش طبيعتها التي ولدت عليها، وسعيدة لأنها تعود إلى موطنها لذلك تغني وترقص. ونحن ياعاصم نغني للشمس من أجل أن نعيش ولو للحظة تحت ضوء القمر والشموع
– أحبك كثيراً يا أمل
– وأنا أيضا أحبك، رغم هذا قلوبنا نحسّها فارغة خواء ودهاليزها ملتوية ومتعرجة يصعب علينا فيها الوصول . بالأمس أخي الصغير ذهب إلى السوق وأشترى حجراً نعم أشترى (حجراً)
– لكنه لم يكمل من عمره السابعة !
– إنه يغني أيضاً للشمس يا عاصم
-هل سيفعل مثله ابننا في المستقبل ؟
– وإن كانت بنتاً سوف اسميها (يافا)
– كما عهدتك دائماً تحبين تمجيد الأشياء وتخليدها
– تماماً مثلما أحب سطوع الشمس والغناء للقمر
– الناس من حولنا فرحة وممتلئة حياة ونحن مللنا الانتظار وقدوم المستحيل
– لا تقل إنّه مستحيل، بحبنا وعهدنا، سنبدد صخور الألم ونفرح بنور القمر ، أحسّ بضعفي ياعاصم وأنا بعيدة عنك، لازلتُ أذكر يوم حطمتُ دميتي، بل دمية أبي التي أهداها لي يوم عيد ميلادي، وحطمتُ بذلك أجمل أيام طفولته، لازلت أذكر ذلك جيداً، أرجوك لا تقل لي كلمات تجاملني بها بل قل لي حقيقة نفسي، أحبك كثيراً وأنت تنزع عني قناع الوهم الذي يجعلني أكثر جموداً وخيالاً !
– هيا معاً إلى البحر يا أمل نتأمل أمواجه العالية وهي ترتطم بالصخور على جانبيه لنلمس عمقها ونقتني الدُرر من قاعها ونصنع منها دمية لابنتنا (يافا) لا تبتسمي ابتسامة باهتة لايفهم معناها إلا أنا، بل اضحكي و اسمعي العالم رنين ضحكاتك، أعشق سواد شعرك، وملمس جيدك البلوري، وخفقات قلبك، ونعومة يديك، حتى انتظارك المُر أعشقه
– قلت لك لا تغني للقمر وهو حزين
– سأغني وأغني للشمس والقمر معاً، انظري إلى النجوم المنيرة والنسيم العليل والموسيقى الحالمة كل ماتصبو إليه النفس لا نشعر به كما الآخرين، إحساسنا به مختلف تماماً، لأننا فضلنا الغناء للشمس، وفي ذلك سرّ تميزنا
– لهذا أنتَ تجوب بأفكارك فيافي العذاب
– لأني أحب أن أبوح بأسراري إليكِ وأفجر نهر عينيك من الركود وأحررك من السكون .. لماذا تؤلمين نفسك بحبي ؟
– ألم تعلم بعد؟ ألم تصل إلى حقيقتي الواضحة أمامك أم تتجاهلها ؟
– لا أتجاهلها ولكني أحب تضميد جراحك
– لأني أجد فيك نفسي يا عاصم وبحضورك تعيد لي أنوثتي المبددة في الظلمة وأجد ذاتي كامرأة للعصر القادم
– تقصدين انطلاقة (الحرية) .. ظروفنا وآلامنا متشابهة وكلانا يحسّ ما يجوب بدواخل الآخر وغايتنا واحدة لهذا ترينها غاية سامية، ولهذا ندفع الثمن من حبنا وراحتنا، لذلك علينا أن لا نجلس ونعض على أصابع الندم ولأجل حبنا لابد أن نغني أغنيّة للشمس و أخرى للقمر
ضباب وغيوم حولي، ورحيل وأشلاء منهكة هنا وهناك، وزغرودة فرح مكتومة مبحوحة، وأحجار وقناديل وشموع وعصافير في انتظار سطوع الشمس.

كاتب سيناريو، و مصور تلفزيوني.

السابق
خط الأمل
التالي
خيال الظل

اترك تعليقاً

*