القصة القصيرة

أفـئدة فارغة

كنتُ ممسكاً بالقصَبة والسنّارة جالسا على شاطيء النهر ..خشخشة الحشائش والأحراش جعلاني انتبه متوجساً..فوجئت بامرأة متلفعة بالسواد ملثّمة الوجه
.. تحمل بين ذراعيها ثمة شيئ ما ملفوفاً بقماش أبيض..
متجهةً صوب النهر بمحاذاتي ..لا يفصلني عنها سوى بضعة أمتار ..خطواتها واثقة وحركة جسمها لاتشي بانها خائفة من شيء ما ..حركة يديها واحتضان الشيء الملفوف بالقماش يوحي لي أنها تحمل طفلاً صغيرا ..اقتربتْ من حافة الجر ف الغريني والتفتت نحوي ترمقني بنظرة ذا ت مغزى.
لم أرَ ملامح وجهها ..عينان فقط ترمقاني ثم تختفيان خلف النقاب وهي ترمي بكل قوة القماشة الملفوفة وسط الماء .. لم يسعفني بصري لرؤيتها بوضوح .. تناهى إلى مسامعي أنها كانت تتمتم بكلمات لم أفهمها واستدارت راجعة من حيث أتت ..كم حاولتُ أن أعرفها من هي، بنت من زوجة من ؟..لم تسعفني الذاكرة ..نهضتُ من مكاني وتركت القصبة والسنارة جانباً . أسئلة كثيرة اعتملت في داخلي ليس لها اجابة شافية ..طفل ترميه امرأة في عرض الماء ومن يكون هذا الطفل ؟
وقطعتُ حبل تساؤلاتي واتجهتُ إزاء المكان ..وقفتُ هنيهة أنظر إلى الماء ..لم أجد شيئاً يثير انتباهي ..صفحة الماء بيضاء لا يعكرها سوى حركة أسماك صغيرة .ياإلهي لقد غطسَ في العمق دفعةً واحدة ..حتماً هو الآن في قاع النهر ولن يطفو إلاّ بعد أن تنتفخ جثته الصغيرة.
..عند حافة الجرف الطيني وجدته ..طفل صغير مرمي على الحافة بالكاد تلامس قطعة القماش التي تحتويه وجه الماء .
تلفتثُ يميناً وشمالاً ليس ثمة أحد غيري في هذا المكان سوى حركة أعالي الأشجار التي صبغتها حُمرة الشمس المغربية ..وأصوات طيور تنوي العودة إلى أعشاشها ..طفل صغير أبيض مشرق الوجه يبتسم بوجهي ..أسمعهُ يناغيني ..ينظر إلي بعينين واسعتين تلتمعان .ياإلهي هل أنا في حلم ؟هل في قريتي من تقتل فلذة كبدها بهذه الوحشية وتجعله طعما للهوام والوحوش ..لو فرضنا لاتوجد وحوش ..فكيف سيتغذى لوجاع ..من سيرضعه في هذا المكان شبه المنقطع ؟هل من المعقول أن يكون ابن حرام ؟ لا لا ..أصدق أن إحداهن فعلتها وحملت وأرادت التخلص منه بهذه الطريقة خشية افتضاح امرها ؟
..ماذا سأفعل لهذا الطفل الجميل الذي ما أنفكَّ يضحك لي بوداعة ويمسك بيده الصغيرة ابهامي ..أحمله بين ذراعي وشلالات الأسئلة تنهمرُ على رأسي كألسنة الثعابين .
سرتُ خطوتين وتذكرت عدّة الصيد خاصتي ..حملتها معي ولاأملك من صيد يومي سوى سمكة يتيمة لو أبيعها لن تكفي لرضعة واحدة لطفل سيحتاج مني الحليب عاجلا أم آجلا ..
ماذا سأقول لزوجتي لوعدتُ بالطفل الغريب إلى البيت .. هل ستقنع بشهادتي بأنني وجدته على جرف النهر ؟
هل ستقنع ببراءتي من دمه ولا تنسبه إلي بحجة خيانتي مع امرأة أخرى ؟وأن هذا الطفل هو ثمرة الحرام لخيانتي المزعومة ..لم أتوصل إلى حل طوال المسافة لداري كنت ابحث عن أجوبة مستحيلة لأسئلة محيرة وعقيمة ..دخلتُ إلى حوش الدار ورميتُ بعدة الصيد جانبا ..وضعتهُ فوق طبق من خوص النخيل ..طبق كبير يتسع لجسده كله..لم أكن أعلم أنها كانت تشاهدني من خلف التنور المسجور ..رأيتُ ناراً وحطباً وسعف يحترق ولهب نار ولكني لم أرها واقفة عند التنور ..اقتربتْ مني وهي تقطّب حاجبيها باستنكار وفضول ورفعتُ قطعة القماش ملقية نظرة عجلى ..ظلتْ تنظرُ إليه لدقيقتين ربما أكثر خلتها دهرا ..حاولتُ معرفة رد فعلها وماذا ستقول لي؟ .أعادت الغطاء فوق جسده ونظرتْ نحوي وتمتمت في محاولة منها لاخفاء مشاعر الاستغراب :
_هل هذا صيد اليوم ؟
_…………….!
_هل أنتَ مجنون ؟اتهزأ بي ..الا تستحي من نفسك ؟
_طفل جميل وجدته على جرف النهر ..رمته إحداهن
لم أتبين وجهها..رمته واختفت بسرعة حتى لا أعرف أين اتجهت وأين غابت بلمح البصر؟ .
_أتهزأُ بي لأنني عقيم ..تأتيني بهذه وتقول لقد جلبتُ لكِ طفلاً ليس له أحد ؟
_إن لم يظهر له أحد ..سنتخذه لنا ولدا ..نحن بحاجة إليه .
_جلوسك عند الشاطيء في مغرب الشمس ..جلبَ لك الجن والمرَدة ..لقد جُننتَ يارجل لا فائدة ترجى منك ..تركتَ صيد السمك وجئتني خالي الوفاض.
_بل جلبتُ لك كنزا يحلم به الكثيرون ..ستقرُ عينك به ..سيمُلي علينا حياتنا ..سيكبر وسيكون عوناً لنا ..سآخذه معي للصيد وأعلّمه كل شيء ..سأشتري له الحليب المجفف وسينمو ..أنظري كم هو جميل ووديع ..أنظري إليه بالله عليك ؟
_تعال أنظر إليه جيدا ..تلك المرأة التي رمته ..امرأة فقدتْ لها وليداً نذرت نُذرا ورمت بهذا الشيء في النهر كي يعيدُ الله إليها طفلها المفقود تيمّناً بنبي الله موسى ..هل فهمتَ يا رجل ؟
_أو ترمي طفلا لاينتمي إليها كي يعيدُ الله إليها طفلها الضائع كما فعلتْ أمُ موسى ؟ّ!
تأففت وحدجتني بنظرة حادة وهتفتْ بي غاضبة :
_أنظرْ إليه جيدا هل هذا طفل ؟..تمعنتُ به جيدا .قلّبتهُ بكفي ..تلمسَّته بأصابعي.. فوجئتُ به جثة هامدة ..بلا أدنى حركة ..قفَّ شعر رأسي من هول الصدمة
..لم يكن طفلاً حقيقياً ..مُجرد دُمية جميلة ..دُمية من نايلون لطفل يبتسم
ُصنعَت بمهارة من بلاستك مضغوط ..في اليوم حملت عدَّة الصيد وانسللتُ بخفة دون علم زوجتي ميمماً وجهي صوب النهر ..ما أن جلستُ وفتحت عدة الصيد وتحضير الطعم والسنُارة ..رأيتها تقف عند رأسي مباشرة بذات الملابس التي كانت ترتديها بالأمس ..سمعتها تقول لي بصوت هاديء :
_ولدي بالأمس أودعته للنهر وأنتَ أفسدتَ خطتي ..أنا رأيتك عندما أخرجته من النهر وسلّمته لزوجتك العاقر ..أين وَلدي ؟
_لم يكن سوى دُمية يا امرأة !..اقتربتُ مني ولكزتْْ مؤخرة ظهري بمقدم رِجلها بحدة :
_أجبني أين ولدي ؟..نهضتُ وانتصبت أمامها واقفا أقول لها :
_أأنتِ مجنونة ..لم تكن سوى دُمية جميلة في قِماط من قماش أبيض ..أخبريني من أنتِ ؟..لم تجب على سؤالي وراحت تجري مسرعةً صوب النهر ..رأيتها تجدف بيديها وتدفع بالطين هي تصرخ ..كانت تصرخ بكلمات مبهمة ..هتفتُ بها لعلها تسمعني ..اندفعتْ بعيدا وأخذها الموج بين الأحراش والقصب المتعامد في قلب النهر ..للحظات وقفتُ مبهورا لا أعي شيئا مما يدور حولي ..هبطتُ خلفها شاقّا الماء بقوة .وصلت إلى المكان الذي اختفت فيه ..بغتة شعرت بشيء يمسك بقدمي من الأسفل ..ويسحبني إلى العمق ..ركلتُ الماء أو هذا الشيء الذي يمسكني بكل قوة ..تخلصتُ منه وشرعتُ أجدف بأطرافي المرتعشة ..وصولي إلى حافة النهر وخروجي إلى اليابسة كانت لحظة لا تخطر على بالي ..شعرتُ بشي ما يرفعني بكل خفة ويرمي بي قرب عدة الصيد ..مازالتُ احس بقبضتيه وهما ينغرزان تحت أبطي ..حملتُ عدتي وركضُت بما تبقّى لديَّ من عزم ..سمعتُ صوت أجش ينادي من خلفي :
_أجلب لها وَلدها وسأجعلك تفلتُ من العقاب إن خالفت سأدفنك في النهر ..في اليوم التالي جلبتُ معي زوجتي ومعنا (ولدها )أقصد الدُمية ..رميناها في النهردون أن نجد أحداّ.. كان المكان خالياً تماماً ..قفلنا راجعين ..طوال مسافة الطريق كانت كلمات التقريع واللوم تنزل عليَّ كالمطر ..وهي تقسمُ لي أيمانا مُغلِظة أنها سترسلني إلى الشيخ (خريبط ) المعزَّم الروحاني ليعمل لي تعويذه تقيني من المسَّ وهمزات الشيطان.

السابق
فتاة الاستعلامات
التالي
على غير موعد

اترك تعليقاً

*