القصة القصيرة

أفواج الواشين

أبريق الشاي ينفث البخار الساخن على سطح الجدار البارد , فتسيل القطرات ممزوجه بتناقض بين حرارة البخار وبرودة الجدار .
كغصبه الهادر الذي يتفجر في داخله بهدوء , حتى انفاس سيكارتهِ تخرج حلقات متذمرة , كأعلان لرفضها استباحة انفاسها بهذة القوة .
يمسح بكفه على جبهته وهو يلامس خطوطها المرسومة على غفلة من العمر .
بالامس كان كل شيء على مايرام , والامور تجري بطبيعتها , لايعكر صفوها شيء .
لقد تغير فجأة معه , بدأ يراجع صفحات ذكرياته ربما فاته شيء لم يتذكره قد يكون هو السبب .
وكلما فتح صفحة وجدها بيضاء خالية مما يعكر صفوها , حتى تلك التي اصفرت بسبب تاريخها القديم .
– ماذا حدث ؟! , اراد ان يخرج كل ذكرياته دفعه واحده و يعصرها الى اخر قطره لعله يجد شيء , وهو يبحر في بحر متلاطم من الحيره .
كرر مرات عديدة البحث , فلم يجد شيء يثير الريبة او حتى يكون سبب لخصام او زعل أو تغير في المواقف .
تمنى ان يواجهه ليساله هذا السؤال , الذي كبر عمره و تمدد حجمه فاصبح يلح’ في طلب الاجابة .
الممر طويل أمام خطواته المتعبة بعد نهار عمل دؤوب .
الازهار هي الاخرى تلملم اورقاها استعداداً للمساء , فتتلاقى مع بعضها البعض .
للحياة ايضا مواعيدها التي تاتي من دون سابق انذار , فكانت خير موعد رغم صعوبة هذه الامنية له .
طرفى الموعد كاقطاب المغناطيس في تنافر الان .
الان هو الاخر يسير في هذا الممر الطويل , لايشعر بالخطوات المسرعة حتى تلحقه .
كانها تسابق الزمن , و كمطاردة بوليسية تنتهي دائما بالوصول الى الهدف .
اقترب منه ووقف على جانبه اليمين , تتزاحم افكاره وهو يحاول ان يختار العبارات والكلمات التي سيبدأ بها الكلام .
القى عليه تحية المساء , فكانت الاجابة كما توقع , باردة جدا كبرودة هذا الشتاء .
– نظر اليه بعتب , يريد ان يقول له ماذا حصل ياصديقي ؟! .
– فنظر اليه باستغراب , كانه يريد ان يقول ابتعد عني , وهو يتمتم الم تعرف ماذا حصل ؟! .
– طبعا لا .
– متاكد انت ؟! , هل أحتاج ان اذكرك بأنتقاصك مني و الاستهزاء بي ؟!.
حاول ان يستجمع كل ذرة لديه من الشجاعة , ويقلب في ذاكرته التي بعثرها بفوضى ليجيبة اجابة الواثق من نفسه .
– طبعا لا , وكيف ان اقوم بذلك وانت صديقي القديم .
– حسناً ياسيدي , عليك ان تعلم شيء , ان ربطة عنقي الحمراء التي ابدو بها كالمهرج , هي هدية زوجتي المتوفات رحمها الله , وهي الشيء الذي يذكرني بها حتى وانا هنا .
توقف الزمن به , وراح يتذكر الموقف , واخذ يحدث نفسه من دون ان يشعر , نعم لقد قلت ذلك على سبيل المزح , عندما سألني عن رأي بها أحد الزملاء .
أنزل راسه خجلاً , وهو يفكر بكلمات الاعتذار و التبرير , ولم يشعر ان صديقة رحل منذ وقت طويل من دون أن ينتظر الاجابة .

السابق
دفيـن فـي الرمـاد
التالي
الفجيعة

اترك تعليقاً

*