القصة القصيرة

أقنعة

كان بريق قناعه مبهرا ولا أثر لغبار الغدر عليه، حملته بين أصابع شوقي ورحت ألاطف ذكرياته كما أول لقاء، كانت عيناه تلمعان ببريق شعاع مثير للدهشة وابتسامة مغرية كقطر ندى الربيع . تذكرت أول مواعيدنا بالمحطة كان يناسب مقاس ملامحك، يومه ارتبك حزني بحضرتك وباحت في غفلة مني شهرزادي…
يسهل الانخداع بالأقنعة حين تتزين بوهم الحقيقة.
وضعت قناعك جانبا، علت ابتسامة حزن عالمي وأنا أذكر كيف غسلت المواقف الجادة ملامحك وعرّتك أمامي حين أقبل الندم إليّ على مهل قائلا:” عذرا، فقط اختلطت بقلبي الوجوه حسبتك هي”. شيء ما تبعثر داخل هذه الذات العليلة، كنت أخشى أن تراني وسط ركام من الوجع، ولم أعلم أنك كنت ترقب كيف يستبد الشوق بي في غيابك، وكيف أرسلك إلي كقدر موجع.
وضعت قناعك جانبا ورحت أفتش بصندوق ذكرياتك عن بقية عبث، علني أجد شيئا من براءة سقطت سهوا عن القناع، لربما أعذرك. عثرت على قناع آخر، تأملته بدا أقل وسامة وأكثر مكرا وعبوسا. شعور غريب وأنا أمرر يدي عليه بلطف. ذكّرني بقولك: ” كم ستكون الحياة رائعة لأجلنا”، وكم كنت صادقا فالحياة كانت فعلا رائعة لكن بدوننا، بدون أقنعتنا وخياناتنا. لا أعرف لماذا صدقتك وأنا أرى أمامي كل جرائمك وحماقاتك التي عمدا كذّبتُها. عاودني الحنين لذلك القناع البائس لكني أغمضت عيني في أسف وأنا أضعه جانبا بمحاذاة قناعك الأول الجريء.
كنتُ أحزن وحدي وأفتش عن الحزن داخل بقاياك، رغم معرفتي بمدى الألم الذي سأسبّبه لي، قناع آخر وأخر وجرح أعمق وأعمق، ثم بقايا امرأة في النهاية…
جمعت تلك الأقنعة التي بات صراخها يقلقني، في حقد أعدت إخفاءها بذلك الصندوق بعدما نفضتُ ذاكرتي منك، وتهيأت للرحيل… إلى الأبد…، خطوة، خطوتان صرت أبعُدُهما عن عالمك، سأقفل بابك كي لا يتسرب إليّ الألم مجددا، سأنهي فصول هذه الرواية كما أردت لها أنت …
وأنا أصل عند عتبة الباب تذكرتُ شيئا، عدتُ إلى ذلك الصندوق الذي كان يخفي أقنعتك، نزعتُ عنّي قناعي مودّعة له، ركنته بجوارها وقد أحكمت إغلاق الصندوق… ثم رحلت…

السابق
نشأة علم المفردات
التالي
الكتابة بلون اللازورد

اترك تعليقاً

*