القصة القصيرة

أمانةٌ

الصداعُ يكاد يفتك برأسه، تاجر المواشي الشهير لا يدري شيئًا عن ليلة الأمس، كانت أمسية عصيبة، بعد يوم قائظ وقبيل غروب الشمس، تلبدت السماء بالغيوم، هطل مطر غزير لم ير مثله من قبل، اضطر للجوء إلى أقرب فندق، لم يشعر برغبة في طعام أو شراب؛ البرد القارس منعه النوم، نزل إلى المقهى يلتمس مشروبًا يعيد الدماء إلى شفتيه الزرقاوين، ويطرد عن أطرافه الرعشة التي اعترتها، ولم يغنِ معها تدليك راحتيه ببعضهما ولا النفخ فيهما.
بدأ الخدر يتسلل إلى جسده بتأثير الحشيش المخلوط بالنارجيلة، بعينين زائغتين لمح على الطاولة المقابلة أشباحًا ثلاثة يلعبون الورق ويتهامسون، أقلقته نظراتهم ورابته همساتهم، لم يعتد الخوف من أمثالهم فقد حباه الله بسطة في الجسم تجعله يلوكهم في وجبة واحدة، آثر أن ينشغل عنهم بالحديث إلى النادل، بدا له الأخير مُرتبكًا يكاد يُسقِطُ المشروبات قبل تقديمها، ينظر في ساعته من حين لآخر كالمحموم، لم يُفلحْ في استجلاء سرِّ ارتباكه، لم يلبثْ أن غاب عن ناظريه ولم يره ثانية.
لا يدري كم امتد به المقام في المقهى، ولا متى عاد إلى فِراشه، كل ما يذكره أنه وثب في الصباح وقد لسعته أشعة الشمس، انطلق إلى السوق وقد كاد أن ينفض، أتمَّ الصفقة التي جاء من أجلها بنجاح، مدَّ يده ليخرج حافظة أمواله الجلدية فلم يجد إلا الهواء، راح يدخل يده في الصدرية ويخرجها كالمجنون، أدرك البائع المأزق الذي ألمَّ به، كان يعرفه من مدة طويلة، وأبوه يعرف أباه، أمضى الصفقة، شحن له المواشي على أن ينقد السائق الثمن لدى عودته لداره، تصبب العرق منه وهو يتمتم بالشكر في خجل.
بعد ثلاثٍ بُهت حين رأى النَّادل الذي اختفى يطرق بابه، ازدحمت عشرات الأسئلة في رأسه:
– أيكون النادل سرقه في تلك الأمسية العصيبة؟ هل دسَّ له مُخدرًا إضافيًا في الشَّراب أفقده الوعي؟ هل يعمل لحساب الأوغاد الثلاثة الذين لم يرتحْ لمرآهم في المقهى؟ ما الذي أتى به الآن؟ هل ندم على فعلته الشنيعة؟ أم يخطط لجريمة أكبر بعد أن رآه صيدًا سهلًا؟ على كل حال ها هو الفأر يقع في المصيدة ولن يدعه يفلت من يده أبدًا.
قطع عليه تفكيره صوت ضيفه، يعاتبه على عدم دعوته للدخول، على رشفات الشاي أخبره الرجل أنَّ أمرأته كانت في المخاض، وليس معه ما يجلب لها به طبيبًا، طلب سلفة فرفض رئيسه في العمل، كما رفض أن يغادر مبكرًا، بل وسخر منه قائلًا:
– فهمنا أن امرأتك في حالة وضع، فماذا ستفعل أنت؟ هل ستلد معها؟
كاد الملل يقتله في انتظار تفسير هذه الزيارة الغريبة؛ كظم غيظه، تركه يستأنف الحديث:
– كنتَ في حالةٍ يُرثى لها بعد الشّراب! لم أتمكن من إيقاظِك وحدي، فاستعنتُ بالشباب الثلاثة، وحملناك إلى غرفتك بشِقِّ الأنفس، عدتُ لأنظف المكان؛ كنتُ مشغول البال بامرأتي، طلبتُ من زميل لي أن يتولى التنظيف مكاني، قفلت مُسرعًا إلى داري، لتبشرني القابلة بمولود جميل، أتانا بعد صبر سنين.
– مبارك!
لمعتْ عيناه في سرور طافح، وهو يردُّ المباركة ويمد يده إلى صدريته، فيخرج لفافة ويناوله إياها قائلًا:
– جاءني زميلي في الصباح بمُستحقاتي، أخبرني باستغنائهم عن خدماتي، أعطاني متعلقاتي ومعها حافظة جلدية؛ لم يفتحها إلا أمامي، فلما وجدتُ بها نقودك وأوراقَك ركبت من فوري وأتيتُك بها.
فضَّ اللفافة بلهفة، نظر إلى الأوراقِ في ذهول، لم يصدّق عينيه؛ كما لم يصدّق من قبل أذنيه! حاول أن يكافئ الرجل فأبى، أسرع بالانصراف، والتاجر يتساءل:
– هل هذه النوعية من الناس ما زالت موجودة لم تنقرضْ بعدُ؟
ثم انقلب من وداع زائره وقد أضمر في نفسه أمرًا.

السابق
فاتنة
التالي
حقد

اترك تعليقاً

*