القصة القصيرة

أمطار

قال لي أبي و هو يعظني :
يا بني ، اجعل محبة الناس قبلتك. ثم عقب :
فخادم الناس سيدهم.
أكدت لي أمي أنه كان إنسانا مسالما.
أكد لي جارنا أنه طيلة عقدين لم يعرف من أبي سوى حسن الجوار.
قال لي بقال حيّنا : أبوك نعم الزبون ، ما استلف مني أبدا ، يؤدي أثمنة مشترياته توا.
و لم أسمع ما قاله لي مقدم الحي ، فقد علا ضجيج الناس فوقه..
و أخبرني لص تائب ، و هو رجل ناضج لم أكن أعرفه من قبل ، أن أبي كان في غاية النبل ، و أنه لما التقى به في أرضه يسرق بعضا من غلته ، و أراد الهرب لم يستطع القيام بذلك ، فقد تخشب ، و تجمدت أطرافه بفعل نظرة عميقة من أبي، تغلغلت إلى أعماقه فهزتها ، ثم قال له : احمل شوالك و لا تعد مرة أخرى.
قال لي : إنه تألم كثيرا ، و قرر أن يبحث لنفسه عن سبيل آخر.
الشاب الذي يتاجر في الذهب ، لم يكن يمتلك محلا بعد، كان يعرض بضاعته أمام الملأ ، لما رأى الشرطة قادمة فر بعد أن ترك رأس ماله بين يدي أبي ، دسها الأخير تحت لباسه ،كان مقعيا ، قرب وكالة لنقل الأموات ـ الوحيدة الموجودة بالمدينة آنذاك، بجلبابه الأبيض الناصع، يتجاذب أطراف الحديث مع أصدقائه على إيقاع أكواب الشاي المنعنع القادم من المقهى الشعبي المقابل لهم، و تحت أشعة شمس الربيع الدافئة، بانتظار صلاة الظهر. و بجوارهم ، و غير بعيد ، تشكلت حلقة من مسنين ، يقضون سحابة يومهم في لعب ” الضامة ” بصخب كأنها سيوف تريد القضاء على محنة مضاء الوقت و جيشه الفتاك .
قال لي فقيه الحي ، بعد أن طوقني بذراعه، و كان يتكلم همسا، و كأنه يسر لي بخبر غاية في الأهمية : أبوك رجل صالح، ما فوت وقتا، كان يؤم الناس كلما تغيبت، و في رمضان، كان يقوم الليل كاملا.
ابتسم أبي ، نظر رجال الشرطة إلى وجهه الجاف و قد برزت بشدة عضام وجنتيه، و إلى فمه الأدرد؛ تساقطت أسنانه ذات لكم وصعق. فرأوهما علامة بلاهة ، تركوه و تابعوا مطاردتهم ، تحت أنظاره الساخرة. خمنت أن أبي، و هو الطاعن في الحياة و التجربة ، تذكر مطاردة الشرطة لتجمعهم تريد تفكيكه بعد أن قاموا بوقفة احتجاجية أمام معمل أنشئ حديثا قرب واد يغذي حقولهم، بعد أن فشلت عرائضهم الرافضة لهذا المعمل الذي سيكون كارثة على حقولهم و منتوجاتهم الفلاحية المتنوعة.
و الحق أنها منتوجات غاية في الجودة ، صحية و طرية ، لا تعتمد إلا على السماد الطبيعي ، كما أن زيت الزيتون المستخلص من زيتون الأرض المباركة كانت غاية في الجودة و مطلوبة من داخل البلد و خارجه .
لم تكثرت السلطة، ورخصت للرجل لأنه من كان أعيان البلد، و صاحب مال و نفوذ.
كان ماء الوادي يئن من نفايات المصنع، و ما كان الزبد الذي كان يطفح به إلا علامة احتضار؛ فالماء أيضا يحس ، بل إنه الحياة نفسها.
قال لي أبي يوما : إن الأشجار تموت، و لن ندعها تسقط أبدا ، ستظل واقفة بشموخ و عزة ، انظر ، بني ، إلى التربة؛ ماعادت خصبة كما السابق، و الغلة تتناقص يوميا.
كنت أحس أن مدخول أبي لم يعد يكفي لسد احتياجاتنا، نحن الذين كنا نعيش نوعا من الإكتفاء الذاتي.
كنت أفطر بخبز الشعير المغموس في إناء من زيت حقل أبي، و كنت أشعر بلذة و متعة، و كان ذلك يكفيني لي؛ إذ كنت أظل شبعانا طيلة الصباح بكامله ، و لم أكن أشعر بتعب تلقي العلم ، كنت أستوعب بسرعة، و كانت نتائجي جيدة.
و حين أمن الشاب أذى الشرطة، عاد و نفسه متقطع ، يبحث عن أبي ، ليسترجع بضاعته، فوجده ملتزما المكان رغم مضي وقت طويل، ينتظره ليسلم له أمانته، و قد كان مفلسا تلك اللحظة، و كان بإمكان الذهب أن يخرجه و أسرته من ضائقة مؤقتة لو أخذه .
قال لي الشاب : الحقيقة أني أضعت رأسمالي ، فما ظننت أبدا أني سأجده سالما و أن أباك سينتظرني به؛ كنت أتوقع ضياعه ، فلم اكن أعرف الرجل؛ وضعت بضاعتي بين يديه ، وعدوت.. قلت في نفسي : أن يأخذها مواطن خير من أن تقع بين أيدي الشرطة.
اشتريت باقة ورد عطرة ، و أنا أسير حاملا إياها ،هبت ريح قوية بشكل مفاجئ .. حملت إلى تحت قدمي صفحة جريدة ، كانت تحمل عنوانا عريضا ومن دون تاريخ خبر تفجير معمل. أردت أن أدقق فيه، فإذا بأمطار غزيرة تهطل، فررت محتميا بسقيفة، فحملت المياه الصفحة، و ما كان مني إلا أن تبعتها بالباقة.

السابق
الكلمات المسهمة
التالي
خط النهاية ..

اترك تعليقاً

*