القصة القصيرة

أمل

ذات يوم غائر في الذّاكرة –وليس بالبعيد-كنّا ثلاثة ورابعنا آمالا كبيرة وعبثا خلنا ه بريء وعدّه البعض تطاولا وخطرا محدقا بالمدينة.كنّا نجوب الأنهج الضيّقة المؤدية إلى الجامع الاوسط،نؤنس القطط التي تختلس قوتها ليلا اختلاسا والكلاب السائبة المسعورة التي ما انفكّ عددها يتزايد بمدينتنا.وكنّا من حين لآخر نقطع على البعض لذّة الانفراد بأنثاه .ولم يرق صنيعنا هذا لأحدهم فقطع علينا الطريق…ولم ننج إلا واحد الرجال يخاطبنا بصوت أجشّ طالبا بطاقة الهوية.بحثنا عنها ولم يجد أي منا هويته ،أعدنا البحث لكن دون جدوى،يبدو أنها سلبت منّا في ما سلب.ولما اعيانا البحث وأعياه الانتظار دعا بعض رفاقه،فاقبلوا مترنّحين يوشك الواحد منهم إن يقبّل نعاه.أحاطوا بنا من كل ّ الجهات حتّى ضاق علينا الخناق،وأصبحنا ندور في حلقة كادت تتحول لإحدى حلقات السلسلة .ثقلت حركتنا ثم بدأت تخفت إلى إن سكنت.عندها خاطبنا من جديد”توقفوا قل…ت.. تو…قفوا… من… انتم…من س…مح لكم بالت…تواجد هنا؟وفي هذه الس…عة المتأخرة من الليل..لم اجتماعكم…” وقبل أن نفكّر في الكلام والإجابة وجدنا أنفسنا في ضيّافة السيّد الملازم.
الحقّ يقال أكرم ضيافتنا.فلم يدع ما من شأنه يثقل أجسادنا من ثياب،وأجهد نفسه في تذكّر ما يليق بمقامنا من ألفاظ لعلّه تعلّمها من جولاته الليلية أو من تلك القمامة التي كان يحشر فيها أنفه .ولم يغفل عن احضار ثلاثة كراسي اتّخذت خصيصا للمحتفى بهم أمثالنا من قوارير الكوكا كولا اضافة لبعض الدلاء من الماء لعلها للوضوء….ولا يذهبن بكم الظنّ إلى أنه كان من المقترين ليكتفي بذلك،بل انه من سلالة الطّائي.أكلنا من طعامه ليجمع بيننا”الماء والملح”،فأقبلنا على الشطة مرغمين وعلى بعض المخلفات البشرية…الى أن رأينا الابيض أحمر والأصفر أحمر والأحمر أحمر.
– اصمت يا ابن الفاجرة… يا لقيط… يا شاذ…أمازلت لم تصب بعمى الألوان وتتحدّث عن الألوان.ألم تتعلّم أن لا احمر في هذا الوجود غير ايري…كفى …كفى…لا داعي للكلام…فهمت…أنت من الحمر…كم أنا سعيد سعيد بتشريفك لنا…مرّ بعض الوقت لم التق بأمثالك كيف تجد نفسك…
لست أذكر كم مرّ من الوقت و حضرة الملازم يكتم أنفاسي بأسئلته تلك.لم يكن بوسعي الدفاع عن شرفي او حتى على شرف امّي وكل عائلتي ولذت بالصمت والصبر إلى أن ارتفع آذان الفجر.توضّأ الملازم وسحب سجّادته وأقام صلاته بحضرتي.وفي ما كان هو يصلّي تذكّرت رفقتي، وتوغلت في تخوم الذاكرة التي عادت بي إلى أحداث يومي.حينها ساورتني الشكوك وامتزج الامل بالخوف والإحباط.عاودتني بعض الصور والوقائع في شيء من الضبابية،ارهقت ذاكرتي في فك رموزها دون جدوى.لا أذكر كم قضيت من الوقت على تلك الحالة ،عدت أتأمل صديقيّ فأجدهما بعيدين بعيد ين حدّ التلاشي ،قريبين قريبين حدّ الانصهار يلتمس أحدهما الوقوف لكنّه يعجز،يلتمس طريقه اليّفي تعثّر لكن دون جدوى،تجلله تأوهات منبعثة من جسده المخضّب يلوذ بالصمت والصمت منه كالصوت مني.كان مجمّلا حدّ البشاعة.لا شك لدي إن دخل على اهل المدينة فستلفظه الشوارع وتبصقه المقاهي والحانات…لا شكّ لدي أنّه طريد الهواجس يتجرّع مرارة الالم والغربة.وهل يثقل كاهل الانسان غير شعوره بالغربة في مدينته وبين اهله.بقيت مع هواجسي إلى إن أتم السيد الملازم صلاته وأوراده وتضرعه لخالقه.وتوجّه اليّ من جديد
-لعلّك تعلم اني اريد مساعدتك…كما تعلم أن ايسر الالفاظ نطقا نعم واخفّ الحروف معا…ان رغبت السلامة…
وقطع حديثه بدخول “غريب” علينا وهو لا يكاد يرفع عينيه عن تراب المكان وانحنى هامسا في أذن الملازم وغادر.عندها عاودتني تلك الصور الضبابية من يومي،وعدت ألامس تخوم الحلم مثقلا بكل ضروب الهزائم والخيبة.وأؤوب إلى مدينتي اشدّ وحدة وغربة ،فيطالعني بعض الأطفال ويصرخون وكلاب يرعاها غريب تتجوّل في أحيائها.

السابق
المدى
التالي
عاشق

اترك تعليقاً

*