القصة القصيرة جدا

أميرة

لطالما وددتُ و لسنوات أن أكلمها… لكنني لم أفعل…
و كأنني كنت أتمتع بترددي ذاك…
كانت “أميرة” أنجب طالبة درست معي، كانت شعلة متقدة من الذكاء، و قد كانت الأولى في الدفعة و طوال سنوات الجامعة الأربع.
كانت” أميرة” متفوقة في علوم اللغة، أما أنا فقد كنت الأكثر براعة في الأدب وفي النقد…
و أذكر أنني كنت، و في نهاية المحاضرات حين يجتمع الطلبة المتفوقون أبادرهم بطرح أسئلة كبيرة في اللغة و النقد، لا أحد كان يجيب، و كانت ” أميرة” و كأنها مَن سأل، تنتظر الإجابة معي، وحين يعجز الجميع عن ذلك، تقوم، و تفز تمشي بخطوات رشيقة كأنها ظبية شاردة، تخطو جهة باب قاعة المحاضرات، وقبل أن تخرج تلتفت إليّ، و تجيب عن سؤالي وتغادر.
كانت كل أجوبتها كلها، صحيحة ودقيقة، تماما…تماما.

و انتهت سنوات الدراسة و أيامها، مرت سريعاً إلى حافة العمر و كأنها لم تكن يوماً، وافترقت أنا و أميرة، لكنني بقيت أسأل عن أخبارها، …بلغني أنها تزوجت، ثم وصلني خبر مناقشتها للدكتوراه، مع أخبار كثيرة أخرى عنها كنت أسمعها من هنا وهناك…

الأسبوع الماضي، منهكا من العمل، في قاعة الأساتذة، كنت أبحث عن كرسي لأرتاح قليلاً، ولست أعرف لمَ جلست من غير أن أفكر، برغم أنني وجدت أستاذة هناك في القاعة جالسة لوحدها، إذ أنني اعتدت أن أغادر إلى مكان آخر، إذا وجدت أستاذات.
لقد كانت الصداقة القوية هي التي جذبتني على مايبدو.
صوت يكلمني:
– أستاذ مساء الخير…
– …مساء النور أستاذة
– هل عرفتني أستاذ؟
مدققا النظر فيها: بعد برهة صمت
– من؟
– أنا….
بعد أن لمحتُ البريق العجيب الذي في عينيها، البريق نفسه الذي تحمل عيناي.
– أستاذة أميرة !!!
– نعم
– تغيرتِ كثيرا أستاذة
– …..نعم….
لم أكن أظن يوما أن الزمن يغير النساء، وإلى هاته الدرجة
همست لنفسي بأسى: لو أنني التقيت بها في الخارج و مرت بقربي، ما كنت لأعرفها.
– نعم عرفتكِ…البريق الذي في عينيك لم يزل كما عهدته، كيف أنت أستاذة؟
– بخير، و أنت؟
– بخير، أرجعتِني بسنوات إلى الماضي، هل مازلت تحافظين على طاقتك…؟
بحسرة تجيبني
– … أنت تعرف، الأولاد، و المسؤولية، لقد تعرضت للكثير من المصاعب من المسؤولين في الجامعة التي كنت متفوقة فيها، إلى أن فقدت الأمل و تركتها…
– لا عليك…” كاين ربي”
ناظرة إلى الساعة :
– عندي محاضرة الآن…أستسمحك أستاذ
– أنا أيضا عندي محاضرة…

وخَرجتْ وقد تركتني كالجريح، مِن طعن الذكريات، تركتني من غير أن تجيب كعادتها عن أسئلة كثيرة كبيرة اصطخبت في ذهني، و أنا أراها بعد سنوات غياب…
حملتُ محفظتي و خرجتُ، ماشيا عكس الاتجاه الذي سارت فيه، كنت أكتم بكاء مرا، و بمجرد أن ابتعدت انفجرت باكيا، كنت أريد حينها أن أناديها، و أكلمها، كنت أريد أن أقول لها، كم أنا ضعيف أمام الذكريات..كنت أريد أن أقول لها لماذا لم تكوني صديقا لآخذك في أحضاني و أشكو إليك وحدتي في هاته الجامعة؟، كنت أن أرجع إليها و أقول لها، بأنني ما زلت أحب الأدب، كما كنتُ و أكثر، و أنني ما زلت أبكي منتشيا و أنا أقرأ ” رولان بارت” و كأنني أسمع أغنية “لأم كلثوم”، كنت أريد أن أقسم لها بأنني لم أخن ضميري ولو لحظة منذ صرت أستاذا، كنت أريد أن أقول لها أنني مازلت أحتفظ ببطاقة الطالب التي سجلت بها” سنة أولى أدب” و مازلت أفعل كما كنت و أنا طالب في السنة الأولى، أحملها بين يدي و أبكي، مازلت كما كنت أيامها أقول لنفسي و أنا لا أصدق: ها أنا ذا طالب في الأدب.
كنت أريد أن أقول لها، كم أنا غريب بين أبناء هذا الجيل، و أنا أحكي عن الشعر والفن و الجَمال…كنت أريد أن أحدثها عن حنيني إلى زمنها الجميل الذي لن يعود،
كنت أريد أن أقول أشياء كثيرة، لكنني لم أفعل، اكتفيت بالالتفات إليها فقط، كانت متوقفة بعيدا في الاتجاه الآخر قبالتي تنظر إلي،… من بعيد، وقع بريق عينيها الجميلتين في بريق عيني،…وكان ذلك كافيا لكي أفهم أنها أجابت عن أسئلتي كعهدي بها و من غير أن تتكلم ..

السابق
اختطاف
التالي
مارق

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. تائهة قال:

    الحزن يغير النساء والرجال ولكن قد يضيع شخص حاضرا وهو يبكي على ذكريات..

اترك تعليقاً

*