القصة القصيرة جدا

أنا الواحديّة

هي المدينة، هل ترى ارتحل سكانها في غفلة مني؟ أم تراهم يمرّون حولي ولا أراهم؟ بالأمس كانوا هنا، يتزاحمون، يتصارخون، يتقاتلون…لم يبق إلاّ آثار تدافعهم، وصدى صراخهم مازال يسكن في الآذان رنينا، ناديت، والصوت من فرط الصراخ عاد إليّ صداه يخبرني: أيّها المنسيّ، أما علمت أنّك في المكان لا شيء سواك؟ هل ظننت – و إن رأتهم العين – أنّهم كانوا هنا حقا؟ إنّك من يوم وجودك كنتَ وحدك، ولدتَ وحدك، صرختَ وحدك، بعد آلام الكبوات تعلمتَ المشي وحدك، إن فرحتَ لا تظن أنّهم كانوا معك يشاركوك نشوتك، إن حزنتَ لا تظنّ أنّهم سيمسحون دمعتك، وإذا خطاك في المسير توقفتْ، والروح من فرط انحباسها ارتفعتْ إلى المقام السنيّ، وتلمّستَ في الظلام مقامك الأخير، هناك ستعرف أنّك من البداية إلى النهاية كنت وحدك.
قلت ماذا تقول أيها الرجع البعيد من الصدى، هل جننت؟ هل تنكر واقعا كنت أحياه وأعرفه؟ هنا ركضنا ونحن صغار، تخاصمنا، تصارخنا على لعبة الكرة وأشياء صغيرة، هنا تعلمت حروف كتابة، معلمي كانت تضيء الحروف بين أنامله على اللوح بالطبشور يرسمها، هنا تحت أشجار الحديقة لامست يد الهوى فانبجس في القلب عشرون نبع للمحبّة، هنا… وهنا…وهنا…
من بعد طول الكلام قلت لي: هل انتهيت؟ أأخدع نفسي بنفسي؟ إذا ما صارعتني الظنون أأفر من وهمٍ لوهمٍ جديد؟ كفاني أرتدي رداء الثقوب، فلا سَتَرَ لي عيبا كنت أخفيه، ولا حماني من شتاء وحدتي القارس.
نظرت إليّ، لم أر إلا ظلّي يحاول مني انفكاكا، أراه انتصر، فالشمس غابت، فكسّر قيده، تحرّر من سجن البدن. كان الظلام بوّابة لممرّات نفس لا ترى في الكون إلا آثار خطاها، ونغمتها الشاردة تردّد منذ الولادة صداها، أدركت أني إذا ما سلكت طرق مسيري مني إلي، سأعبر كل الوجود، وأدرك بعد طول المسير أن الوصول إليّ مازال طويلا، وأن كهوف نفسي ظلام، فكيف السبيل إذا ما عثرت في داخلي على فكرة أتعبتني، حملتها سنينا، ظننتها وردا حين يتفتح سيملأ الدنيا أريجا، ظننتها كيسا من الحنطة ستشبع كلّ بطون الجياع، ظننتها فتحا مبينا، وبعد هذه السنين اكتشفت أن حدائق أرضي سراب، وأن القصور التي شيّدتها ظنوني خراب.
قالوا العشق دواء القلوب، به تستريح النفوس، به تستكين. قرأت قصائد عشق قديمة، قرأت روايات العاشقين، عشقتُ، وكلّ اللواتي مررْنا، تركنا في القلب حرفا، واسما، ووردا، وجرحا…مررْنا، بقيت لوحدي، أخاطب نفسي، أردّد ذكرياتي القديمة.
التفت إليّ، قلت لي: ألا تستريح، طال وقوفك يا أيها الأنا على عتبات أبوابك المغلقة، خلف كل باب سرّ يحاول ستر الحقيقة عنك، إذا انكشفت يوما ، ستكشف كلّ الوجوه، ستهدم كل الصروح، وتعرف بعد فوات الأوان، بأنك منذ البداية كنت لوحدك.

السابق
زائِرٌ
التالي
الرمز و التفكير البدائي!

اترك تعليقاً

*