القصة القصيرة

أنا والقاصر

بالحافلة رقم 15 أتجه نحو مكان ما للقاء صديق ما ،كانت الحافلة شبه فارغة إلا من شابين يجلسان بالصف الأخير ،وفي وسط الحافلة تجلس سيدة رفقة فتاتين ،توقعت أن يكن أم وابنتيها ،ملامحهن تشي أن الأم في بداية الأربعين ،البنت الصغرى في أواخر عقدها الأول،والكبرى في أواخر عقدها الثاني..
في هذه الفترة من حياتي كان قلبي كقطعة من جبل الجليد ذاك الذي اصطدمت به سفينة “التيتانيك” في ليلة من ليالي أبريل الباردة سنة 1912 ،فكري أيضا كان فارغا متفرغا..بدوت على استعداد للانحراف لذلك وجدتني أحملق في البنت الكبرى غير مكترث بتواجد من توقعت أن تكون أمها ،فقميصها الأزرق المفتوح من الصدر ،وتنورتها السوداء القصيرة تكفلتا باحياء أشياء كثيرة بداخلي كنت أتوهم أنها لن تحيا بعد رحيل من جردتني كنزتي الصوفية الدافئة ذات سبت ممطر..الغريب أنها كانت تحملق في أيضا.ولأني دائما ما أحمل قلما ومفكرة فقد دونت رقم هاتفي بقطعة ورق أخذتها من المفكرة وقررت أن أعطيه لها بطريقة ما..بداية أمأت لها بيدي مفهما إياها أني أريد منحها رقمي ،هزت رأسها إلى أعلى ثم إلى أسفل مبدية موافقتها لكن ما كنت لأجرأ على فعل ذلك في حضرة سيدة غالبا أمها..فكرت في تاجيل الأمر إلى حين وصولنا خاصة وأن وجهتنا هي نفسها ما دامت الحافلة قد تجاوزت كل المحطات وتبقت فقط المحطة الأخيرة..
عندما وصلنا ،قررت أن أنزل من الحافلة بعدهن ،كانت “الأم” تمشي بخطوات متسارعة في حين تخلفت البنتين ببضع خطوات عنها ،أسرعت الخطى لألحق بهما وبمجرد ما اقتربت منهما حتى مدت البنت الكبرى يدها اليسرى للخلف بطريقة تجنبت فيها لفت انتباه أختها ،لا أدري كيف عرفت أني خلفها دون أن تدير وجهها، وبحركة سريعة وضعت بيدها قطعة الورق التي دونت بها الرقم..ضحك بعض المارة من تصرفي حتى أن أحدهم لم يستطع مقاومة كلماته و نطق ضاحكا :” عفريييت”..بادلته ضحكة مشابهة وغادرت..
مر عام..لم تتصل.
ثم رن الهاتف..

– ” أنا كارمن”
– ” لا أعرف أحدا بهذا الاسم”
– ” أنا التي منحتني رقم هاتفك قبل عام !ب
– ” منحت رقم هاتفي لكثيرات قبل عام”
– ” أنا لي طلعت معك فنفس الطوبيس ،كانت معي ماما وختي ،الطوبيس رقم 15 ”
– ” ذات القميص الأزرق والتنورة السوداء”
تضحك

– ” أجل انا نفسها”
– ” اتصلت بعد عام كامل،لماذا ليس بعد عامين؟!”
– ” حكاية طويلة، قد أحكيها لك عندما. نلتقي”
– ” إذن دعيني أدعوك لفنجان قهوة بمقهى La Breva غدا عند الرابعة عصرا ”
– ” أوكي علاش لا”

بالغد عند الرابعة عصرا كنت أنتظر بالمقهى ،لا أدري ماذا كنت أنتظر ،هل كارمن ،أم فتحة الصدر بالقميص الأزرق ،أم التنورة السوداء القصيرة..
انتظرت لساعة كاملة لكنها لم تحضر..
عند السابعة مساء رن هاتفي :
– ” آسفة لا تعاتبني ،دعني أشرح لك ما حدث…”
قاطعتها..
– ” لا أريد شرحا سيدتي..دعيني أدعوك لفنجان قهوة آخر غدا بنفس المقهى ،بنفس الوقت، سأنتظرك على نفس الطاولة”
– ” أعدك غادي نجي قبل الوقت ”
و بالفعل عندما حضرت بالغد وجدتها هناك ،كان الجو حارا لذلك اكتفت بارتداء قميص أزرق يكشف عن ذراعيها ،وبنطلون جينز أصفر ،وحذاء رياضي أزرق ،أما شعرها البني فشدته لأعلى ما جعل عنقها مكشوفا بالكامل..كانت جذابة بطريقة ما.
وضعت قبلتين على خديها بطريقة الانجلوساكسونيين ،وجلست على يمينها..اعتذرت عن عدم حضورها بالأمس واعتذرت عن عدم اتصالها بي لعام كامل…
لم أعتد أن أتلقى اعتذارا بمواعدي الأولى لذلك لم أتفاءل كثيرا..
– ” أنا كارمن ،17 سنة ،كنقرا فالباك ثانوية ابن حزم…”
هي قاصر إذن..ما هذا المأزق..عن ماذا سأحدثها؟ حديثي عن القصائد والروايات تجنبت الخوض فيه لأنه لا يصح أن أحدث قاصرا عن أحلام و شكري و محفوظ و درويش والماغوط..لذلك وجدتني أتحدث عن اليسا و مريام و هيفاء..تحدثنا كثيرا قبل أن تقاطعني بسؤال لم يسألني إياه أحد قبلها :
– ” واش عمرك بغيتي ؟”
لم أتوقع سؤالها لذلك بدوت متفاجئا وغير مدرك لما يجب أن أقوله، هل أبوح لها كوني أحببت من باعتني صباح عيد أضحى لتشتري بعلا أم أقول أني ولدت بقطعة جليد بدل القلب؟

– ” أكيد لا ،لم أجد الوقت لأحب”
– ” بصح ؟ودبا عندك الوقت ؟ “..قالت هذا وهي تدنو بكرسيها مني.

– ” قاصر آنستي أنت..لا يصح”.
حينها مررت لسانها فوق شفتها العليا بطريقة فيها الكثير من الاغراء الذي غالبا ما يهزمني .. وبنفس القدر من الاغراء عضت شفتها السفلى و قالت بنبرة أنثوية مطلقة :
– ” متأكد ممحتاجنيش معك ”
لم أكن متأكدا لذلك بالغد لم نلتق بالمقهى..كان الموعد الأول لغرفتي مع قاصر…

السابق
الكاتبة صفاء عبد المنعم تتحدى النقاد العرب في نص “صوت الموسيقى”
التالي
وهم

اترك تعليقاً

*