القصة القصيرة جدا

أنا ورشيد.. بين بَرزَخيْن

اكتملت سعادتي بعد أن مارست طقسي المحبب بترديد متلازمة أشجار النخيل بين الطريق الدولي وحبيبتي المتألقة على طرف الدنيا . مرض جديد سيتم تدريسه للأجيال القادمة. تنسمتُ رائحة الوجوه المتكررة والأنفاس المعبقة بطعم ورائحة اليود والتاريخ. بقايا أفراس النهر والتماسيح والليل الطويل والشمس الحارقة التي تتدرج من أسفل إلى أعلى متحدية كل قوانين الطبيعة. لم تتغير أعداد النخيل لحسن الحظ منذ تعودت على القدوم إلى هنا. رغم أن بعضها قد تعرض إلى عملية انتزاع للحياة بقطع رقبتها. إلا أنها تظل واقفة في وجه الزمن تشهد بالأصالة والقوة والشموخ.. نزلتُ من السيارة أخيرا في أول البلد. وقفت قليلا أملأ رئتي من هواءها الذي أعادني إلى الحياة بعد أن كانت روحي قد وصلت الحلقوم. وضعت يدي على جدار قديم مازال يقاوم الحضارة المشوهة الجديدة التي تحارب بدَأب وصبر وجلَد كل رمز للجمال. هنا وضعَت يدها في المرة الأخيرة. سرَت رعشة مرهفة في كل ذرة من جسدي. لامَستني واحتضَنتني ثم حلَّقَت بي في عالمها الراقي.. ربَتَت على كتفي. لم أستطع العودة السريعة من عالمها الذي أقطنه منذ رأيتها للمرة الأولى في مكتبة الكلية في عامها الجامعي الأول. كنت هناك بالمصادفة. وياللمصادفات التي تغير تاريخ الإنسان وتعبث في جغرافيته حتى تتغير الإتجاهات وتتعطل بوصلته فترتبط الفصول بحال المعشوق وتفاصيله. ربتةٌ أخرى أعادتني مسرعا حتى أنني تعثرت في ابتسامتها الخجلة الوردية حين صارحتني بحبها للمرة الأولى. كان نهرها قد وصل إلى بحري أخيرا كما يفعل النيل في البحر الأبيض. لكن البرزخ كان على رقته عميقا حتى القاع وقويا حتى النخاع. ارتفع موجي وطغى بينما ذاب عذبُها في ملحي ولم نندمج. فتحت عيني أخيرا والتفتت لها. كيان رخامي ملون مشغول بيد فنان من عصر النهضة جمع آيات الجمال وتفاصيل الدلال وما تبقى من حضارات عظيمة في ملامحها . ابتسمتُ لها وقلبي يقفز في صدري كالعصفور حين يرقب محبوبه قادما من بعيد. وضعت يدها على يدي تطلب مني أن نتحرك قليلا حتي لا نلفت الإنتباه. الوردة في الصحراء تلفت انتباه الصقور والثعابين رغم أنها تعطي للمكان جماليات ورقة ونسمات لا تتكرر. سرت معها مغلوبا على أمري وأنا أعرف الكلمة التالية. توقفَت فتوقفت معها حياتي. وضعَت شفتيها على يدي فتوقف الزمن عن الحركة. ودعتني واختفت خلف موجة عالية دعَّمتها سحابة مظلمة خانقة. أمطرَت السماء يأسا وألما. تجمدَت مشاعري. وتوقفت أشجار النخيل عن المُقاومة.

السابق
مفاجأة
التالي
ليلة الكبرى

اترك تعليقاً

*