القصة القصيرة

أنا و هدى

في البداية كانت مجرد أنثى من مدينة افتراضية، تبصم منشوراتي وأحيانا تلطخها بتعليقات طفولية..لا صور ولا منشورات بصفحتها..بيضاء..استفزني هذا البياض أو ربما أزعجني ،فقد اعتدت على سواد الحروف يلطخ بعشوائية بياض الصفحات بهذه المدينة الزرقاء..
ظل هذا الصمت و هذه الغربة مستحوذين لعام كامل ،ثم كتبت رسالة من خمسة أسطر و ضغطت زر الارسال :
” أنا هدى..يكفيك الاسم ،لا تسأل أسئلة أخرى..أما أنت فأعرفك جيدا..قرأتك لسنة كاملة ،بداية لم تثر انتباهي كتاباتك السياسية ،ثم قررت أن أتعلم أبجديات السياسة لأفهمك ..قرأت عشرات الكتب و حضرت عشرات الندوات ..صرت أقتني صحيفة كل يوم..فعلت كل شيء فقط لأفهم السياسة أقصد لأفهمك ..في الأخير فهمتك..أما قصة حبك الفاشلة فقد أحدثت بداخلي شرخا…”
لحظة وصلتني رسالتها ،عند الساعة الأولى بعد منتصف الليل ،تطلعت كثيرا باسم المرسل ..إنها هي..” هدى كريم”..وأخيرا تكلمت..قرأت رسالتها مرتين وقررت ألا أجيب حينها ،سأتركها تلعن نفسها لأنها اختارت أن تكاتبني ،سأتركها لعلها ترسل رسالة ثانية أستطيع من خلالها اكتشاف طبيعتها..
انتظرتها 24 ساعة ،لم تكتب،فقررت بعدها وبالضبط عند الواحدة ليلا أن أجيبها..فكرت في قول الكثير ،فكرت في أن أبدأ من حيث بدأت و أن أسألها من أنت أو من أين أنت … لكني وجدتني أرقن :
” قصة حبي لم تكن فاشلة ”
و ضغطت زر الإرسال ..
بعد دقائق خمس جاءني ردها : ” فاشلة و إن أوهمت نفسك بالعكس..فاشلة لأنها تاجرت بأوجاعك ..فاشلة لأنها تخلت عنك في سبيل حساب بنكي ..فاشلة لأنها قررت ألا تكتفي بالرحيل بل و أن تمزقك بعد رحيلها..رسائلها و مكالماتها ليست اشتياقا ولا فقدانا لك..تحاول أن تمزقك سيدي و ألا تترك جرحك يطيب..فاشلة سيدي فاشلة “..
ردها هذا جعلني أقف مشدوها لبرهة ،كيف تعرف تفاصيل قصتي ، أعرفت كل هذا من كتاباتي ، أكتاب مفتوح هو أنا لهذه الدرجة ؟ ..ردها أيضا أيقظ بداخلي أشياء كثيرة ،و أعادني سنوات للخلف ، حتى أني فكرت في حذفها و طردها من غرفتي الزرقاء هاته لكني لم أفعل و قررت أن ألعب بأسلوبي الذي أجيده :
” من هو كريم؟ ” هكذا سألتها
انتظرت جوابها كثيرا لكن دون جدوى..الثالثة صباحا..قررت أن أنام..و في اللحظة التي قررت فيها إطفاء هاتفي ومغادرة غرفتي الزرقاء ،جاءني ردها :
” أنا هدى.. كريم ابن أختي ، كنت أحبه جدا ،توفي قبل سنة جراء مرض بالقلب ،كان بالرابعة من عمره..أقطن بمدينتك..طالبة..السوسيولوجيا..كلية ظهر المهراز.. عمري..لا تُسأل الفتاة عن عمرها..لكني بالعشرين ،لا أقرأ لشكري ولا لأحلام مستغانمي ،أقرأ لك ولنفسي ..لا أحلام لي بالحياة ،لست تعيسة ولا سعيدة لكني أعيش .”
قرأت ردها أربع مرات ،ولم أتردد و أنا أرقن :
” متى و أين ؟ ”
علمني نجيب محفوظ أن أرمي بشباكي لهن دون تردد ولا تفكير..لن أندم سواء سحبت الشبكة فارغة أو عامرة ..لذلك وجدتني أجازف بدعوة لموعد . ..
” – ما رأيك بالغد ،عند الرابعة زوالا بنفس المقهى حيث التقيت حبيبتك أول مرة..ريجنسي ” هكذا كان جوابها.
هي تريد أن توقظ الوجع إذن ،تريد أن تدنس زاويتي الطاهرة ..فليكن لها ذلك..
– ” كيف سأتعرف عليك؟”
– أنا سأتعرف عليك ”
– ” كيف”
– ” من شعرك..هو الشيء الملفت في صورك” .
باليوم قصدت المقهى عند الثالثة والنصف ،اخترت نفس الطاولة حيث جلست أول مرة رفقة من تاجرت بأوجاعي ..مرت بمخيلتي مشاهد كثيرة و لم يوقفني إلا ذاك الجسد الذي أحسسته يتجه نحوي..رفعت رأسي بسرعة..
قميص ربيعي أصفر ،هذا أول ما لفت انتباهي..هي تعرف إذن حكاية تطيري من هذا اللون ..كان جسدها سمكيا بشعر أسود مموج على طريقة الغجريات ..
– غريب أنك حضرت قبل الرابعة.
– لأني مضطرة للمغادرة قبل الخامسة.
– لماذا الأصفر؟
– لأنك تكرهه
– سأكرهك
– ما عادت لك قدرة لا على الكره و لا على الحب..لك القدرة على الكتابة بقلميك و فقط.
كان جوابها صريحا لدرجة الصدمة ..فلا بد أن يكون جوابي دعوة جريئة :
– غدا أو الآن؟
– الآن
– وماذا عن الخامسة؟
– سأغلق هاتفي.
… عطرها ذكرني بجسد مر من فوق نفس السرير.

السابق
اشتقت لك
التالي
تَلَبُّسٌ

اترك تعليقاً

*