القصة القصيرة

أنت ابني وأنت المختار

بعدما حل المساء وألقى الغروب رداءه على الحي ، خرج عمر ومشى وحيدا مثقلا بالهموم والأحزان ، نحو البحر ،كعادته ،كلما مر من جانب دار أيتام …
ذكريات اليتم كانت تؤرقه كثيرا ولا سيما كلمة “أبي” حينما كان يسمعها من هذا الطفل أو ذاك …أو حينما كان يرى أبا يمسك بيد ولده وهما يتنزهان هنا وهناك، ومرة مرة يتناهى إلى سمعه:
– أبي ..أبي ..
ويأتيه رد الوالد :
نعم يا بني …ماذا تريد يا ولدي؟….

كان البحر هادئا ،وكأن أمواجه في سنة من نوم ، أو كأنها تسبح في سجود بعد ركوع للذي خلقها وإليه تعود…الشاطئ خال إلا من بعض محبي رؤية الغروب ، واحد هنا ،و اثنان هناك ..وثلاثة أبعد من هناك…
جلس عمر، كعادته على تلك الصخرة الشامخة، ينظر إلى الشمس وقد تحنت بالدماء، يبثها أفكاره لتهدئتها، وعواطفه لتنظيمها، ظل يحدق فيها حتى اختفى الخيط الأحمر ولم يبق إلا أنوار الحي القريبة من الشاطئ والتي انعكست أشعتها على مياه البحر …
وبينما هو جالس، سمع وقع أقدام سير تقترب منه، التفت فإذا بامرأة عجوز واقفة بالقرب منه، تنظر إليه نظرة ملِؤها المحبة والحنان والمودة واللين والرقة…تبدو في عقدها التاسع أو أكثر من خلال تقاسيم وجهها، لكن بريق عينيها ووقفتها الثابتة كالصخرة الشامخة التي يجلس عليها، جعلاها تبدو في ريعان شبابها …
– السلام عليكم …
ألقت التحية بصوت كله حنان ورأفة.
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
رد عمر وقلبه يرتعد وجسمه يرتعش وعلامات الاستفهام والتعجب بادية على محياه…
ثم استطرد قائلا:
– هل من خدمة أستطيع تقديمها لك يا سيدتي ؟
ابتسمت السيدة فظهرت أطراف أسنانها وهي تشع بياضا وسلامة وقالت وهي تقترب أكثر من عمر :
– بل أنت الذي في حاجة إلى خدمتي يا بني…
– كيف ؟ولماذا؟ ومن أنت؟
رمت بأطراف ردائها على ظهرها وكان لباسها لا يشبه لباس نساء الحي وإنما هو شبيه بالملابس المعتمدة في الأفلام التاريخية الإسلامية …ثم قالت :
– اسمي كفالة اليتيم….
– اسم غريب جدا يا سيدتي ،لم أسمع به من قبل…
– فعلا هو غريب جدا ولكنه الحقيقة ،أنا اسمي كفالة اليتيم ، ولن تجد من يحمل هذا الاسم غيري…
سكتت برهة ثم قالت :
– الاسم واحد ووحيد لكن لي أبناء وتجليات…
سأل عمر وقد ازداد شوقا وفضولا..
– كيف ذلك ؟لم أفهم يا سيدتي ..
أخرجت السيدة يدها وفتحت أصابعها ثم قالت وهي تشير إلى السبابة أولا :
– من بين أفضل تجلياتي كل امرأة قعدت على أيتام لها وسابقت رسول الرحمة تريد الدخول معه باب الجنة…
– من تجلياتي أيضا كل امرئ مسح رأس اليتيم وأطعمه من طعامه…من دون رياء ولا نفاق ومن غير من و لا طمع…
-ومن تمظهراتي أيضا كل بيت فيه يتيم يحسن إليه…ولا يساء إليه…
– ومن تجلياتي كذلك كل بسمة يرسمها كل شخص على شفتي اليتيم لتجعله يحس بأن له مكانه الخاص في هذه الدنيا كغيره من البشر…وليس فضلة كما يقول النحاة…
سكتت العجوز برهة من الزمن استغلها عمر الذي كان يضع إبهامه على خذه فسأل :
– وما علاقتك بكافل اليتيم ؟
أجابت بفخر واعتزاز:
-ذاك أحد أبنائي المتجليين في كل الأخيار والرحماء والكرماء وكل امرئ نقش في قلبه كلمة “يتيم” و هو الوارد في حديث الرسول الأعظم (ص):” أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ” ، وأشار بأصبعيه إلى السبابة والوسطى….
كان عمر كلما سمع من السيدة أكثر ازداد منها قربا… حتى لم يعد يفصلهما سوى متر واحد أو أقل … نظر إليها مليا فبدت له سحنة من حزن على محياها كسحنة الحزن التي لا تفارق محياه… ثم سأل:
– معذرة سيدتي أرى فيك سحنة من حزن زادت حزني حزنا ،فما سببها ؟
تنهدت السيدة تنهيدة لو ألقيت على الوردة لذبلت وعلى الصخرة لتفتت ،وعلى الماء الجاري لتجمد ثم قالت :
– أفعال بعض الناس تجاه اليتيم هي سببها يا بني ..
– كيف لم أفهم سيدتي ،من فضلك ،مزيدا من الإيضاح والتوضيح …
رمت بأطراف ردائها على ظهرها مرة أخرى ثم قالت :
– يزداد حزني كلما وظف اسمي في الإساءة والرذيلة …
سكتت ثم قالت بلهجة فيها كثير من الأسى والحزن :
– عندما أرى شخصا يمسح رأس اليتيم بيمناه ويعبث بجسد أمه بيسراه…
– عندما تؤسس جمعية لرعاية اليتيم وكفالته ،فلا يستفيد هو إلا من نسبة قليلة من مداخيلها والقسط الأكبر يوزع على أعضائها …
– عندما تدفع الأرملة إلى الأكل بثديها وجيرانها لهم ما يكفيهم ويكفيها ويكفي أيتامها..
– عندما يغتصب الأيتام في ابتسامتهم وأعراضهم في دار حملت اسما من أسمائهم….وبسبب وجودهم شيدت تلك الدار…
– عندما يؤكل مال اليتيم بالباطل ..والآكل له ما يكفيه ويكفي ذويه وأقاربه وحاشيته وما ملكت أيمانه وشمائله….
– عندما تقصف بلاد المسلمين وتصير نساؤهم ثكالى ويشرد أيتامهم بينما أموال أغنيائهم تصرف في الملذات والشهوات هنا وهناك…
-عندما تنظم الاحتفالات في كل ربوع الوطن العربي والإسلامي على شرف الأيتام ولا يستفيد منها سوى من قال فيهم الشاعر العربي:
– دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيَتِها واقعدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعمُ الكاسي

انحدرت دمعتان بل دموع من مقلتي عمر وطأطأ برأسه بين ركبتيه، وتذكر دار الأيتام المتواجدة بالطرف الأخر من الحي …تذكر وجوههم الشاحبة وعيونهم الدامعة ،وأجسامهم النحيلة ،وثيابهم الرثة البالية ،وابتساماتهم التي تخرج احتشاما من شفاههم كلما مر شخص من أمامهم…بينما الساهرون عليهم في أرائك مصفوفة ،وزرابي مفروشة ،وفواكه ممدودة ،و أكلات متنوعة موضوعة ،وسيارات فخمة مركونة … يتقنون كل اللغات إلا لغة السيدة كفالة اليتيم …

رفع رأسه فلم يجد السيدة … بحث عنها هنا وهناك ،وهو يناديها باسمها ….وبعد حين تراءى له شبحها وهي تمشي على سطح الماء… حتى توارت في الأفق…

وفي تلك الليلة ظهر القمر من حيث غربت الشمس ، وقد طبعت عليه صورة السيدة “كفالة اليتيم “زادته نورا وضياء على غير عادته … ثم اختفت … وبينما عمر يغادر الشاطئ نحو منزله هبت نسمة بحر عليلة و تناهى إلى سمعه همسها من بعيد :
– أنت ابني وأنت المختار…ودموعك كانت الإشارة ،وموعدنا باب الجنة لمسابقة رسول الرحمة إن شاء الله …ومن تلك الليلة نذر عمر للرحمان نذرا بأن يكون لليتيم وصيا ..وإن كان النذر لا يغني من قدرهما معا شيئا..

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
عفوية
التالي
تكرار

اترك تعليقاً

*