القصة القصيرة جدا

أنفُ الزمار

كان هو!.. عندما رأيته أول مرة، لم يخطر في بالي أنه سيصبح حديث القرية بل المدينة بأسرها، وقد كان..
طويل مهاب يمشي.. تستطيع أن تقرأ كل سماته الحقيقية من ظهره وبالفطنة، بقلنسوة مميزة ومعطف طويل.. يخيف حتى ظلام الليل، في خطوات ثابتة يسبح هناك، كأشباح الأحلام والشخصيات الأسطورية في حكايات العجائز للأطفال يتسوّل في القلوب يمضغها رويدا..
أنا وحدي رأيته في الليل وكوابيس دنياي العتمة يطوف، يتلصص، ينظر من خلف النوافذ بذي المنخار الطويل المدبب، دون أن يلمحوه يتشمم كبد الخوف في قلوبهم، بوقا أذنيه تتسمعان أدق الأسرار..
العجب كل العجب أنه يجلس في الصباح.. كل صباح على ربوة القرية العالية أو يجثم على العقول، بابتسامة عريضة بشفاة ملتوية يستقبل الجميع، ثم يزمّر بنفير ممطوط، يتلو كل شيء بألحان شجيّة جاذبة.. يستطيع أن يطرب الجميع لسويعات بلا ملل.. مستحوذا على الألباب.. حتى استحوذ على الأقوات والمدخرات.
ذاع صيته في القرى المجاورة، بل تخطّت سيرته البلاد البعيدة، جاءوا عِشاء يسترقّون السمع.. جاءوا مأسورين بابتساماته ومزماره الطروب..
كانت مجادلتي في أول الأمر لم تعجب العامة، لم يتحمس لي حتى أطفالي الصغار عندما أنبئهم أول دخول الليل، وأحكم على أجسادهم وآذانهم وقلوبهم الأغطية في ذعر.. لم يتعداني وحدي.. أحثّ الجميع في الليل الحالك على إصغاء النهار.. أشير للجميع على خطواته عبر الطريق، أقسم أن بسماته تلك تتحول في جوف الليل لضحك هيستيري مع أقرانه خلف الربوة والتل والجبل القطبي العالي..
في حفل مطوّل رمقني من وسط الملايين المتحمسة..
عند ذيوع ليله المعتاد حبسني خلف أسوار الجنون، وزاد وتعنّد وجش نفيره وبحّ مزماره؛ فخاف الجميع.. حشّ الخناق الرؤوس؛ فثاروا.
شاخ، وكبر، ومرض حبيسا ذليلا..
في نهار باسم تنسمّه الجميع، ساد صمت النايات الزائفة، غير بعض المزامير المتحمسة، والمتلسطة، واللبلابية أرادت صعود الربوة العالية بالحيلة وبلحاهم الطويلة.. زجرهم النبيل ودفنهم التراب، ولكنه أطلق سراح الزمار وأعوانه، وأنا..
في الصباح تعافى، وجلس على الربوة خفية هو وزوجته وولداه ينظرون من علٍ ويبتسمون بل يضحكون!.

السابق
مسالك غارقة
التالي
أبو العز الحفار

اترك تعليقاً

*