القصة القصيرة جدا

أنين الذكريات

أذكر يوما ما كانت لنا شجرة توت، تملأ حديقتنا بالياقوت ،كان الحسون يسكن أعلاها، ويزغرد أحلى الألحان ،كان يسحرنا بأشجى الأنعام ،فيذكرنا بسحر هاروت،و نرقبه ينسج عشا أقرب إلى شكل المخروط، أذكر بيضات صغرى لها قشر حجري منقوط .
أذكر يوما ما كان بحديقنا شجرة توت،بأوراق يانعة خضراء، يتسلل من بين أصابعها الضوء،ترسم ظلا وارفا حينا، وآخر تنسخ بيت عنكبوت،وأحياناتتكسر كل ألوان الطيف، ورقا أخضرا وثمرا أحمراوأسودا وأبيضا ،في أعلاها عقيقا يغازل أشعة الشمس، وأسفلها يفترش بالأرجوان، يخضب الأرض وأناملنا الرقيقة، بلون التوت وطعم التوت ورائحة التوت،ويحفر في أفئدتنا منجما من الحب و الياقوت.
أذكر يوما بحديقنا كانت لنا شجرة توت،ننصب فيها أرجوحة،تحملنا في الآفاق وفوق الأنواء،كنا نحلم بالطيران،كنا نهذي بالضحكات والعبرات،وأتذكر كل مخزون العثرات، وحين تتورم فينا الزفرات على أصغر الأشياء وأجمل الأشياء.لا زلت أطير في أثير الذكريات كمن امتطى ظهر حوت وعاكس الموجات.
لا أدري من راح يحسد كل الأشجار ،ويتطير بشجر التوت،أنها مثل البوم ،تجلب الخراب والتشريد،للقريب والبعيد،ومن غائبا صدقناه، دون أن ندري استعصائها على الرحيل ووفائها لأصحابها المشردين،و انتظارها لهم بعوتهم سالمين.
أذكر يوما بحديقنا كانت لنا شجرة توت،أقنعا البناء بأن بيتنا صغير ويحتاج للترميم،مثل باقي بيوت الحي ،ومن حمقنا رحنا نعدم بأيدينا جذع التوت المتألم، دون مشاعر ،ودون دموع، ونسيت بأنها من سترت عورات الأجدادفي داخل الجنان ،من يومها وأنا أعيش في متواز، أقرب إلى شكل التابوت،من يومها وأنا أنتظر الرحيل،إلى المثوى الأخير، لكن لن أنسى يوما طعم التوت ورائحة التوت،وصوت الحسون،وأرجوحة نسافر فيها إلى كل أصقاع الأرض،بلا حدود ولا قيود ولا نقود.
عرفت السر سأزرع في كل ركن من حديقتنا شجرة توت ،وأستحضر كل الأشياء الجميلة التي فقدت،وأتحرر من مشاعر الحرمان ومن أجواء التابوت.

السابق
فقير
التالي
مُحسنٌ كريم

اترك تعليقاً

*