مقالات

أهمية العنوان في القصة القصيرة والقصيرة جدا

القصة القصيرة أو القصيرة جدا فن سردي يستهدف منها إمتاع النفس أولا ثم إمتاع القاريء ثانيا ،والذي لا يمكن أن يمتع نفسه لا يمكنه أن يمتع غيره لأن فاقد الشيء لا يعطيه ،يقول الفنان روبرت هنري الرسام :”لكي يكون الفنان ممتعا للآخرين ،لابد أن يكون ممتعا لنفسه وأن يكون قادرا على الشعور المكثف والتأمل العميق” ولا أريد هنا أن أدخل في تحليل علاقة المبدع بالقاريء والتي تختلف فيها المواقف والرؤى ، لأن هذه العلاقة يمكن إن شاء الله أن نفرد لها مقالة خاصة نعرض فيهالأهم جوانب الموضوع ،ولكني أهدف في هذه المقالة أن نطرق موضوعا بعينه ، حتى لا تختلط علينا الأمور ويقع الالتباس الذي يضيع علينا فرصة التواصل مع السادة القراء والكتاب على حد سواء ، ولعل الموضوع الذي أريد أن أطرق في مقالتي هذه ، هو العنوان وبالخصوص في النصوص السردية ، وحتى في القصيدة الشعرية ، ولكن أستثني الومضة الشعرية والقصة الومضة كما يحلو للبعض تسميتها ، هذان النوعان يمكن أن يستغنى فيهما عن العنوان ، يرجع هذا لطبيعة هذا النوع من الفنون ، يلاحظ القاريء الكريم أني في جميع دراساتي النقدية أركز على العنوان في النصوص القصصية التي أتعرض لها بالتحليل والدراسة لمجموعة من الاعتبارات التي يمكنها أن تضع النص المقروء على رأس القاريء وفي عينه كما يقال ، أو يرميه في حاوية القمامة ، حتى ولوكان يستحق القراءة ، فالكاتب يعرض بضاعة للاستهلاك ،ويتوخى أن يقبل أكبر عدد ممكن من المستهلكين على هذه البضاعة ، خصوصا في عصر كثر فيه المقروء وقل القاريء (كثر العرض وقل الطلب ) ،وأصبحت ممارسة القراءة من الأمور غير المرغوب فيها في عصر أصبح يعج بكل وسائل الترفيه والتثقيف، فأصبح الكتاب يحتضر ، وربما سيأتي يوم وهو قريب جدا أن ينقرض الكتاب الورقي بصفة نهائية ،خصوصا وأن pdf. اصبح ينوب عن هذا الكتاب ، أقول ليقبل القاريء على هذه البضاعة كما سبق لا بد وأن يمارس الكاتب نوعا من التحايل ، ليجذب القاريء ، ويشده إلى نصه ليقرأه وإلا كانت عملية الإبداع والكتابة برمتها مضيعة للوقت ، فتبور الثقافة ويموت العلم ونعود إلى العصور الحجرية القديمة ، ولعل إقناع القاريء يبقى مسؤولية الكاتب الذي يتوخى منه أن يعرف كيف يعرض نصه حتى يقبل عليه القاريء بلهفة ، فأول شيء يثير انتباهنا سواء تعلق الامر بكتاب أو جريدة أو مقالة أو قصة هو العنوان ،فالذي لا يهتم بالعنوان ، لا يجب أن ينتظر من القاريء أن يهتم بنصه ، فاهتمامه بالنص يبدأ من العنوان ، فاذا جذبه هذا العنوان ،غاص في أعماق النص ، وإذا لم تلف انتباهه هذا العنوان ، فإنه لايعيره أدنى اهتمام ، لكن ماهي الأسباب التي تجعل القاريء يهتم بالعنوان ،وبالتالي يقرأ النص ، يجب أن تتوفر فه مجموعة من الخصائص ، وأول هذه الأمور الإثارة : والمقصود بها أن العنوان يكون بمثابة اللوحة الإشهارية لمنتوج ما تأتي كالصمت الذي يسبق العاصفة ، فتستحوذ على عقل القاريء وذهنه ، وتأخذ مأخذها منه ، فينتظر بفارغ الصبر أن يغوص في هذه البضاعة ، التي ستعرض بعد اللوحة الإشهارية ،والنص مثله مثل هذه اللوحة يستوجب أن يؤثر في نفسية القاريء ، ويشوقه لقراءة محتويات النص ، ولممارسة الكاتب لعبة التأثير على القاريء عليه أن ينتبه إلى طريقة عرض العنوان والأسلوب الذي يكتب به نحوا وتركيبا ونظما وإسنادا ، فلا يجب أن ننسى أن عصرنا الحاضر أصبح عصر عناوين ، فهناك عند تناول قهوة الصباح من يقرأ عشرات العناوين في حين لا يقرأ أي نص أو مقالة ، إطلالة سريعة على العناوين وانتهى الأمر ، وهكذا دواليك وتستمر العملية من يوم لآخر ، لكن ما يقرأ هي النصوص التي تحظى بعناوين جذابة ومثيرة ،وتوشوش في أذن القاريء أن المحتويات ستكون رائعة ، والتقنية في الوشوشة في أن يكون العنوان : مستفزا لذاكرة القاريء ، فكيف يستفز ذهن القاريء ويحفزه على قراءة النص ؟ أول شيء يجب أن يفكر فيه الكاتب هو اللغة التي سيوظف ، في عنوان نصه ،ما يثير الانتباه خلال قراءتنا للكثير من النصوص ، نلاحظ أنها لا تثير الا نتباه لتقرأها ،إذ تكتب بأسلوب مباشر ، جملته لاتحتمل أكثر من بنية سطحية ، وكأنه يعنون مقالة حادثة وقعت في الحي ، وهذا لا يجلب القاريء إطلاقا ، صحيح أن أبسط الوقائع يمكن أن تنسج منها روائع قصصية قد تنحو منحى العالمية ،ولعل أبرز القصص العالمية اتسمت بالبساطة ، لكن الحدث البسيط لا يعبر عنه باللغة المبتدلة المباشرة التي لا نلمس فيها أي جمال يذكر ، يقول قيدوم القاصين تولستوي :(إن الكاتب الجيد يستطيع أن يكتب قصة كاملة من شجار رآه في الشارع ). هذا صحيح لكن بأي شكل من الأشكال ينقل هذا الشجار إلى القاريء ،وما نوع اللغة التي يتوسل بها للتعبير في مجال القصة القصيرة ، أعتقد أن اللغة الانزياحية وبلاغة الغموض تمارس تأثيرها على القاريء ، فقدتستفز تفكيره بطرح مجموعة من الساؤلات التي لن يجد الإجابة عنها إلاعندما يقرأ النص ، فالعنوان الجيد هو الذي يثير غريزة التطفل في نفس القاريء ، وتحته على معرفة مبتغيات الكاتب ،وليسمح لي القاريء الكريم أن أعطي مثالا بالصياد ، الذي يمارس غواية الأسماك من خلال استعمال طعم مثير للانتباه ، براق الألوان واضحا للعيان ،في شكل جذاب ،وجميل وهنا يستقيم المثل القائل (السم في الدسم/ السم في العسل) وفي حالة عدم اختار الطعم المناسب لن يظفر بشيء ، لهذا نجد صيادين في نفس المصيد واحد يحظى بسمكات طيبات كبيرات والآخر لا يصطاد إلا الفراغ ، فلغة العنوان يجب أن تحتمل الكثيرمن التأويلات والتفسيرات كلما كان أكثر جاذبية ، ولا يجب أن يلعب الكاتب كل أوراقه من البداية أي من البداية الاستهلالية أوالعنوان ،إذ لا يجب الإفصاح عن مضامين ومحتويات النصوص ،وأقصد بالانزياح في العنوان نوعا من الخيال وتكسير المألوف ،فالعنوان المباشر يفسد على القاريء وعلى الكاتب تلك المتعة الفنية التي لن يجدها إلا في الخيال باعتبار ه نوعا من هروب الكاتب والقاريء على حد سواء من عالم الحقيقة لأسباب جد بسيطة وهي كون عالم الحقيقة قاصر عن إرضاء رغباتهما، فالكاتب يعرض في نصه فكرة لتعرف خصائص واقع معين لكنه يسد النقص الحاصل في هذا الواقع والفراغ الموجود فيه من خلال هذا الخيال الذي لن يتأتى من خلال توظيف اللغة المباشرة ، التي تضر بمستوى النص وبالتالي تقلل من أهمية الكاتب ، وتنفر القاريء، فالكاتب يبحت عن المتعة ، يبحت عن مجانبة الواقع لأن الواقع كما قلت قبل قليل عاجز عن إرضاء رغباته لذلك يطمح إلى ممارسة الهروب من هذا الواقع ، وهذا لن تحققه له إلا قصة رائعة موغلة في الإدهاش والغرابة ، يقول كادويل بأن القصة (” حكاية خيالية لها معنى ممتعة تجذب انتباه القاريء وعميقة بحيث تعبر عن الطبيعة البشرية “) إذن فقبل الغوص في أعماق النص والانسجام مع شخوصه ، يجب أن تيحقق هدفان أساسيان في العنوان قبل أن يتحققا في ثنايا النص ، وهما المتعة والتأثير ،وحتما إذا توفرت هذه النقط في العنوان فحتما ستكون سامقة في محتويات النص ، فالقصة باعتبارها جنسا أدبيا تشكل وعيا مميزا إذا نجح الكاتب في جلب القاريء لقراءتها ،فإنه حتما سيكشف عن تناقضات زمنية ومكانية وتاريخية من خلال الصراعات التي تسود بين أبطال القصة ،ولكن النجاح في القبض على القاريء هو عصب نجاح الكاتب ،يقول اوراسو كيروغا وهو قاص من الاروغواي (“القبض على أرنب أسهل من القبض على القاريء ) ، وإلاذهبت متاعبه سدى ، لهذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة أقول لكتاب القصة القصيرة ، قصصكم عناوينكم ، والأغرب من ذلك : هناك من يستهين بالعنوان فلا يعنون نصه ولا يصنفه ، حاول أن تغلق جميع فتحات الأبواب التي تساهم في نفور القاريء وعزوفه عن قراءة إبداعك فالعيس لا تبالغ. في التهام الطريق إلا بجمال صوت الحذاء والأغنام لا تقبل على الرعي إلا عند سماعها شبابة الراعي ،فجمال عنوان النص اذن محفز على القراءة فأنت الكاتب المسؤول الأول والأخير عن قبول بضاعتك أو العزوف عنها . والله ولي التوفيق!!!

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
عودة ” ظريف الطول “..
التالي
نزهه..

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. العنوان في القصة هو باب القصة، ومفتاح لضبة النص وهو السلطة التي تحدد هويته منه نستل الخيط و نعرف طبيعة الموضوع الذي نحن بصدده.

اترك تعليقاً

*