القصة القصيرة

أوتار العود

فوق خشبة المسرح وقفت؛ بروح تعانق المجد، مع أبطال مسرحية عن فلسطين المحتلة، (عودي) وألحاني كان لهما الدور الكبير في أبهاج الحضور، الزهو و روح الشباب زاد من ألق الموقف. هاجس يعانق السماء مبتهجا، زملائي الفنانون تتراقص أرواحهم مع تصفيق الجمهور، مع غلق ستار المسرح بدأت تبادل القبلات و التهاني. اليوم انتصرنا على جميع العقبات، مستقبل جميل فتح لنا ذراعيه، صدره الشفيف أخذنا بحضنه البارد.
شوارع (عمان) تماوجت مع فرحنا، لم تكن الحفلة الأولى لكنها الحفلة الأهم. وضعت رأسي فوق الوسادة، أحلام وردية حليفة الليلة. في صباح اليوم التالي رن الهاتف:
– الووو…
– مرحبا، نصير؟
– أهلا وسهلا، من معي؟
– أنا مدير مكتب السفارة العراقية، سيادة السفير يرغب بلقائك عصر هذا اليوم الساعة الخامسة.
– خيرا إن شاء الله، هل تعلم ماذا يريد مني سعادة السفير؟
– نعم، إنه يريد أن يبارك لك على نجاحك.
على إيقاع البهجة و السرور تتراقص نياط قلبي، حكومتي تفتخر بي و تبارك موهبتي، لا شك أن السفارة تريد تكريمي. أخبرت زملائي بالخبر المفرح، قبل حلول الساعة الخامسة جهزت نفسي للحفل المبهج، نظرت إلى المرآة شاهدت نفسي كأنني عريس في ساعة زفافه، على باب السفارة استقبلني رجل، رحب بي كثيرا ثم رافقني إلى غرفة السفير، عندما دخلنا الغرفة قام السفير برسم ابتسامة عريضة مع ترحيب جاف محى تلك الابتسامة، طلب مني الجلوس، وقال:
– أنت فنان موهوب، لكن هذا لا يمنحك الحق بسب السيد الرئيس صدام حسين!
استحال العرس إلى عتمة ذات فجوة ابتلعت الفرح و أثارت في نفسي الخوف و الغضب، قلت بصوت مرتفع:
– ما هذا الكلام، متى سببت الرئيس؟ هل أنت جاد بكلامك؟! كنت أظن إنك طلبت لقائي تكريما لي.
– نصير… أنت اقترفت ذنباً كبيراً، و سوف ترحل إلى بغداد حتى تحاسب و تنال عقابك.
– أبدا، هذا لن يكون!
أسرعت إلى الباب، أريد الخروج من سجن قبض روحي بين جدرانه، فتحت الباب؛ فوجدت في وجهي ستة رجال أحاطوا بي من أربع جهات. ضحكات السفير كانت أكثر استفزاز في خضم تسارع الأحداث. في سيارة السفارة كنت أفكر بطريق الخلاص؛ رغم فكري المشوش. أمام أبواب المطار توقفت السيارة ترجل ركابها، أمسك بيدي أحدهم و أمرني بالنزول، حاولت البقاء، لكن خشيت منهم الاعتداء و الإهانة، نزلت و مشيت معهم إلى قاعة المطار، صادفني صديق من الفرقة الموسيقية، عانقني بشوق؛ فهمست بأذنه:
– هؤلاء الرجال من أمن صدام سوف يأخذوني إلى بغداد، عليك الأتصال بسرعة بجميع الزملاء والفنانين للحضور، لعلك تنقذني.
بعد أقل من نصف ساعة دخل أصدقائي من أعضاء الفرقة الموسيقية و معهم فنانون من الأردن، أحاط بي الأصدقاء من كل جانب؛ فشعرت بالقوة و ارتفع صوتي:
– هؤلاء مجرمون يحملون السلاح، سوف يقتلونني.
رفعت سترت رجل الأمن الذي كان يقف بقربي، و كشفت عن سلاحه. ارتفعت أصوات أصحابي، صخب و احتجاج عم المكان، خلال لحظات ظهر (مازن) وهو قنصل في السفارة العراقية؛ كان نسيبا لأخي الأكبر، اقترب مني و سلم علي، همس في أذني:
– نصير… عليك التزام الهدوء، الغضب لا ينفع، سوف يتخذ ضدك كل ما يصدر منك.
حاولت جاهدا التماسك، هدأت من روعي، فطلب مني أحد الضباط جواز سفري، فرفضت و كان باعتقادي أنهم لا يستطيعون تسفيري من دون الجواز، سكت الضابط، قفز مازن، و أخذني على انفراد.
– نصير… أرجوك، أعطه الجواز من فضلك.
– لا، لن أعطي جواز سفري، ولن أسافر.
– نصير… أرجوك، أعطني جوازك، من مصلحتك يا أخي، و إلا سوف يوقعون وثيقة حمراء بدل الجواز، و هذا يعني الحكم عليك بالإعدام مباشرة عند وصولك إلى بغداد.
غثيان بدأ يدب في رأسي، كلمات مازن حطمت أعصابي، شلل اجتاح كياني، أعطيته الجواز، ولم أهمس بكلمة. حبل المشنقة يتدلى أمامي، لا أعرف متى يخنق عنقي. تمر ساعات و أيام ثقيلة أمام ناظري، عمري يتصدع بين جدران أربعة، غرفة ثلاثة في أربعة أمتار، يقبع داخلها خمسة و ثلاثون رجلا، لا أعرف للنهار أو الليل وقتا، على مدى ثلاثة أسابيع في دائرة أمن بغداد تهشمت عظامي، مع سيل من التحقيقات اليومية، كان آخرها كلام الضابط:
– أنت بريء… سوف تخرج من السجن، بعد ترحيلك إلى سجن (أبو غريب).
في الطريق، أحسست بالفرج عندما شممت هواء بغداد الصافي، وصلنا إلى أبواب، اقتادونا إلى قاعة كبيرة، ضمت بين جدرانها حوالي أربعمائة فرد، رغم كثرة السجناء؛ كان الصمت يغرق المكان بالسكون، الخوف و الحذر يعم النزلاء، و المصير يعلمه البعض، و كنت من البعض الذي لا يعلم.
مع إشراقة الشمس؛ ترتفع زقزقة العصافير، و يعلو صراخ الحراس؛ يستيقظ الجميع على وقع ضربات العصي، تنذر الجميع للإسراع بالخروج إلى ساحة يصطف فيها السجناء، صاح ضابط:
– المحكومون؛ يقفون بالجهة اليمنى… و غير المحكومين؛ يقفون بالجهة اليسرى.
لم أتردد بالذهاب إلى الجهة اليسرى، و قفت معهم، ثم صاح ضابط يحمل بين يديه سجلا:
ــ أحمد…
كلمة؛ أسقطت على الأرض أربعة رجال، وما زال الضابط يكمل الاسم:
– أحمد حسين عبد الواحد محمد…
رفع أحدهم يده، و بالكاد يحمله السجناء ليقف على قدميه؛ يودعونه. أكثر من ساعة حتى اكتمل العدد؛ عشرة سجناء أخذوا حيث لا أعلم. نظر الضابط لي وقال:
– أنت… مو نصير (أبو العود)؟
– نعم، أنا هو.
– لعد ليش واكف مع غير المحكومين؟
– أنا، لم أدخل إلى المحكمة، ولم أعرض على الحاكم، ولم يصدر بحقي حكم.
– يابه، أنت محكوم بالإعدام… ومن باجر تقف مع المحكومين.
كلماته نزلت فوق رأسي كأنها صاعقة، أصبحت أيامي معدودة في الحياة، مائة و سبعون يوما أنتظر الموت، لم أكن في سجن أبو غريب كما قالوا لي ولم يبق من السجناء في سجن رقم واحد؛ سوى ثلاثة أنا أحدهم.
كانت المذيعة في هذا اللقاء؛ مصدومة إلى حد الدهشة، تنظر لي و الدموع تترقرق في عينيها، قاومت انكسارات روحها؛ و توجهت لي بالسؤال مرة أخرى:
– و كيف نجوت من عقوبة الإعدام؟!
ابتسمت… و كفكفت جراحات الماضي، و قلت بنبرة يشوبها الفرح و الحزن:
– هذه قصة أخرى… تحتاج إلى وقت آخر.

السابق
رغبة
التالي
منبه

اترك تعليقاً

*