القصة القصيرة جدا

أوتار

أمسك حنجرته بين يديه محاولا إصلاح حبالها المتقطعة، جراء صرخة رعب عمت أرجاء المعمورة، أطلقها ليلة أمس من كوة في أعلى الجدار، حيث يقيم بين جدران أربعة. كان قد مضى عليه دهر وهو يحاول تسلق هذا الجدار الأملس ليمتع نظره بضوء القمر. نجح في ذلك بعد معاناة شاقة. لم يكن يعلم أن فوزه هذا سيكلفه حباله الصوتية وأن هذا النور الذي سعى إليه سيكون وبالا عليه وشؤما. أثناء تسلقه كان يحفر بأظافره ليؤسس مرتكزا لقدمه الأخرى. ما إن وصل إلى آخر نقطة حتى هوى من عل وارتجت الأركان من صوت استغاثته. هذا ما جعله يحتضن حنجرته ويربت عليها مواسيا، وهو العاجز عن الحركة بعد هذا الهبوط الحر. وحدها أصابعه بقيت سليمة. تذكر كيف كان يصلح قيثارته، ركز حواسه كلها في هذه الحنجرة التي تحتاج إلى حبال جديدة وبدأ يعيد وصلها بعناية شديدة. أثناء انهماكه لم ينتبه أنه أخطأ في ترتيبها. لقد عاش تجربة “الرجل العنكبوت “وقبلها عاش تجربة “الجرذ” الذي يتنقل من زاوية ﻵخرى بحثا عن فتات الحياة، أما الآن فهو في خضم تجربة لا مثيل لها، ستتغير مفردات لغته بسبب هفوته تلك ولن يشعر بذلك إلا عندما تقع الفأس بالرأس.
انتهى من مهمته، ابتلع حنجرته الجديدة وبدأ يتجشأ لساعات إلى أن اتخذت مكانها الصحيح. إنه بحاجة الآن إلى أن يصبح “باتمان” لينطلق خارج هذ الكوة اللعينة ولكن كيف وهو ممزق الأشلاء لا يملك إلا صراخه؟! رفع عقيرته بالغناء عله يستجلب أحدا من الحراس، أتاه الصوت حشرجة ولم يعد يرى تلك الكوة ثم غرق في ذرات تراب أهيلت عليه من حيث لا يعلم.

السابق
قراءة نقدية في نص “مكافأة”
التالي
قراءة نقدية في نص “أوتار”

اترك تعليقاً

*