القصة القصيرة

إحتمالات نقية …

حسبته سيعاقبني بقسوة. كدأبه الدائم معى، جزاءا وفاقا على حد قوله، كلما ارتكبت فعلة شنيعة، إثر نوبات استطلاعي لكتبه أو اغراضه فوق المكتب أو أحذيته وقمصانه، كان نموذجي السماوي يتجلى كأب.
حاولت مرارا أن أكون ولدا صالحا، لكن كانت الغلبة دائما لشياطيني الصغيرة، والمكلفة بالوسوسة لي كلما سنحت الفرصة لذلك،فتثير شغفي وتوقظه من ثباته المريح.
استيقظت فى صباح نهاية الاسبوع، بلا فروض مدرسية، ومن دون إلحاح ومثابرة أمي فى ايقاظي، لأجل اقتراب موعد حافلة المدرسة الرتيب بانتظام وكآبة.
مرارا وتكرارا حذرتك من دخول الحمام حافي القدمين، ولا زلت فى ضلالك القديم. عبارة أمي المعتاده التى لا تمل تكرارها!
من دون أن أهتم، بقائمة الفيروسات التى أخذت تعددها،وكأنها تراهم وتحصيهم عدا، جازمة أنها سوف تلتصق بقدمي الحافيتين, من أجل ذلك أقسمت كذبا، أنها سوف تكون سعيدة حين تخترق الحقنة إليتى الطرية. عندما أمرض في القريب العاجل.
أغلقت الباب من ورائى، غير عابىء بتصريحاتها الشبيهه بتعليمات المرور المدونة على لوحات ارشادية مصفوفة بغباء.
أفرغت من أنبوب كريم الحلاقة، ثم كسوت وجنتي برغوة وفيرة تنافس رغوة أبي، اقترضت ماكينة الحلاقة بعد استبدال شفرة جديدة، وبدأت طقوس حلاقة الذقن. على طريقة كريستيانو رونالدو خلال حملة إعلانات جيليت.
تركت رأسي الصغير أسفل خرير مياه الصنبور، و أخذت أرتب خصلاتي الوفيرة فوق الجبين وأنا أطالع ذقني الحليقة بإعجاب داخل إطار المرآة.
جاء دور مجفف الشعر الكهربائي فى الجوار، أوصلته بالقابس و قبل الضغط على زر التشغيل، كانت قطرات المياه تتساقط من جبينى داخل فتحات التهوية للمجفف، وخلال لحظات كان يرسل وميضا أزرق مصحوبا بدخان كثيف يتصاعد فى الحمام المغلق بعناية من الداخل، ثم فيض كهربي عنيف كضربة رعد، اطاح بي من فوق المقعد الذى ارتقيته لأغراض قصر القامة.
استفقت محمولا على صدر أبي يعبر بجسدي الرخو من خلال الباب الذى بدا محطما، يجري هرولا نحو الشرفة يلتمس لصدري المحتشي بالدخان الأسود هواءا نظيفا.
كان يمسد خصلاتي برفق أبوي لم ألامسه طيلة أعوامي السبعه، تكتظ مقلتيه بدموع حذرة تراجعت فور التقاء ناظرينا، التزمني بقوة حين ألقيت ثقل رأسي على كاهله المرتعش، أخذت أمي تعانق كلينا، ألقت برأسها الذى يصدر نشيجا مستمرا بحرقة، ليتلاشى خوفنا داخل حضن أبي الكبير الذى اتسع لكلينا وهو يهدأ من روعنا.
أخبرته بثبات وثقة، وأنا أغادرهما نحو حجرتي، أن يعتني بأمي، ريثما أفتح حصالتي الصغيرة لنشتري مجففا جديدا !.

السابق
قراءة نقدية في نص “مسد”
التالي
عباءة الاحترام

اترك تعليقاً

*