القصة القصيرة

إحسانٌ

لم يبقَ سوى صبي القهوة هذا ليعلمني شغلي!
صرخ رئيس العمال هادرًا، وهو يضرب كفًا بكف، تجمع بعض ماسحي الجوخ، يهدئون ثائرة كبيرهم، بينما ربت أحدهم على كتف الفتي ذي الثلاثة عشر عامًا، وهو يساعده في التقاط بقايا الصينية المقلوبة على الأرض، ومحتوياتها المتناثرة.

هرع أحد السعاة ينقل الخبر للسيد، الذي ألفوه بغتة لدى الباب، بادر المعتدي بالصياح: ما جزاء من يعبث بالماكينات، ويتسبب في الخسائر، إلا الطرد أو الغرامة الفادحة؟

كان رئيس مجلس الإدارة غائبًا في مهمة عمل بالخارج، لبحث مشكلة تأخر قطع الغيار للماكينة المُعطلة، وقد فوض نجله المهندس حديث الخبرة؛ الذي يعرف رئيس العمال المخضرم كيف يكسبه لصفه. لم يخب ظنه حيث، لم تتح للمتهم فرصة للدفاع عن نفسه، وصدر قرار إداري بالاستغناء عن خدماته، لا سيما وأنه كان يعمل بعقد مؤقت.

عاد رئيس مجلس الإدارة بعد أسبوعين، ليجد وجهًا جديدًا يقدم له المشروبات، سأل عن الفتى متوجسًا أن يكون مريضًا، فهو لم يتغيب يومًا منذ عامين إلا لعذر قاهر، لم يصدق أذنيه حين قيل له: إن الفتى ضبط متلبسًا بالعبث بالماكينة المُعطلة، كما تشاجر بصفاقة مع رئيس العمال، كان على علم تام بظروفه؛ التي حالت دون استكمال تعليمه، كما كان يعرف أخلاقه الطيبة، وتربيته الحسنة.

أرسل يستدعيه على عجل، لعبت الظنون برأس الفتى، طار قلبه شعاعًا مخافة أن يكون في الأمر مكيدة جديدة، من رئيس العمال الذي لا يحبه. أو أن يتهموه هذه المرة بالسرقة، جاء على تخوف، يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، فلما مثل بين يدي السيد سري عنه، لِما رأى من بشاشته وحسن استقباله.

قص الفتى على رب العمل كيف أنه فكر في إصلاح الماكينة الهامدة من شهرين، فاقترب منها يتأمل القطعة المكسورة، ويرسمها على الورق، عندها فاجأه رئيس العمال، وأغلظ له القول، فلم يرد عليه.

بعدها بيومين كان رئيس العمال يحاول إحكام غطاء خزان جديد، حين لاحظت وجود زيادة طفيفة في مقاس الغطاء لم يتنبه لها، مما يستحيل معه إغلاقه، فلما حاولت تنبيهه زجرني، وأطاح بالصينية من يدي، واجتمع العمال على صياحه، إلى أن أبلغوني بالفصل.

صحبه الرئيس ليريه الخزان المزعوم، فوجده محكم الغلق؛ لكنه لاحظ وجود قص حديث بأحد جوانبه، فأسرها في نفسه، والتفت إلى الفتى يسأله عما صنع بالرسم؟ أخبره أنه دفعه لأحد الخراطين، فصنع له قطعتين أخرجهما من جيبه، نظر إليهما صاحب العمل، ثم جثا على ركبتيه يعاين القطعة المكسورة، ويعجب لدقة المطابقة، أمر أحد الفنيين بحل القطعة المكسورة، وتركيب الجديدة مكانها، ولدهشته الشديدة عادت الماكينة تعمل، بعد شهرين من الصمت المطبق.

صدر قرار بتعيين الصبي بقسم الصيانة بضعف راتبه، فلما ذهب يشكر الرئيس، سأله عن سر القطعة الثانية؟ ابتسم الصبي وهو يقول: تحسبًا لتعطل ماكينة أخرى.

تحلق الأحفاد الثلاثة، يستمعون بفخر إلى قصة كفاح الجد، ويتصفحون الصور والشهادات التي حازها، حين تدخل أبوهم ليضيف أن جدهم، لم يضن بخبرته على أحد، حتى إنه في التوسعات الجديدة للمصنع، جلب عشرين من شباب المنطقة العاطلين، فدربهم حتى أُشريوا الصنعة، ثم عقد لهم اختبارًا علنيًا بحضور أصحاب الشركة، حتى إذا رضوا عن مستواهم ألحقهم بالعمل، بعد أن كانوا فريسة للمخدرات والبطالة، والعجيب أن أحدهم كان ابن رئيس العمال؛ الذي تسبب في فصله.

السابق
حنينٌ
التالي
خبرة

اترك تعليقاً

*