القصة القصيرة

إختناق

منذ بضع سنين .. على التقريب .. بدأت الحكاية .. أنتظرها كل صباح أمام البيت .. وأحياناً على رأس الشارع .. حتى تمر من أمامي .. ترنو إليَّ بابتسامة رقيقة .. ساحرة .. أقف .. أفكر .. أتمنى أحلم .. أشتهي.. تجيئني في المنام …..
ولأني كنت أحبها جداً .. كنت أفعل لها كل ما تريد مني.. وتأمرني به .. وكنت لا أعصي لها أمراً .
تركت الدراسة من أجلها .. ورحت أتسكع في الشوارع.. وعلى المقاهي.. أجلس أنتظرها .. تذهب إلى المدرسة .. الدرس .. زميلاتها .. السوق .. تمر من أمامي .. والابتسامة الساحرة ..لا تفارق شفتيها الغليظة .. فأراني أسير خلفها .. إن أَبْطَأَتْ الخطى ، أَبْطَأَتُ .. وإن أسرعتْ .. أسرعتُ .. وإن دخلت مكاناً ما ،أنتظرها حتى تعود إلى البيت .. ثم أذهب لشأني .. وكنت أفعل ذلك عامي كله فهي جارتي .. تسكن في دربي .. وعقلي .. وقلبي .. ودمي .. وكنت دائماً.. أُشْعِرها أني معها ، بجوارها .. أمامها .. خلفها .. كظلها .. أتبعها حيث تشاء .. في أَحايين كثيرة .. طلبت مني ، وهي ترجوني ” أن أحل عن سماها ” .. وأدعها وشأنها .. وأبحث عن أخرى غيرها ، فالنساء كثير-على حد قولها- لكني كنت أرفض ، وبشدة .. لأن الحياة من دونها ، تعني الموت .. ورتابة الأشياء ..
في غرفتي الصغيرة ، المليئة بالأحلام .. والكتب .. والصور الملتصقة بالجدران .. والملابس العتيقة .. والأوراق المبعثرة ، في كل مكان .. أَبَات أفكر .. أحلم .. أتمنى .. تأتيني ، خائفة ، واجفة .. تتأسف وتعتذر .. وحبات اللؤلؤ تتساقط فوق الوسادة ، الخالية .. أضغط على يدها .. أمسح خدها التفاح …
ليلة أمس .. كتبت لها خواطري .. على هيئة قصيدة .. تعبر عن كل ما يجول بداخلي .. خبأت القصيدة .. مع شريط أم كلثوم ” الحب كله ” ، أخذته منها لأسمعه ، طَلبت منها عدم التسرع في الرد .. مرت ساعات ، وساعات ، وحين رأيتها واقفة أمام البيت تلاعب أختها الصغيرة .. ولا أحد يخرج للشارع ، في الشتاء .. في مثل هذا الوقت .. الناس عاكفون أمام المسلسل العربي ، الذي لا أعرفه .. اغتنمت الفرصة .. هرولت إليها .. وقلبي يكاد يقفز من صدري .. سألتها عن الرد بصراحة ، وبدون مواربة .. ضحكت .. والوجه المخملي أزهرت ، أساريره ، أزاهير بستان .. وهي تطوح بأختها الصغيرة في الهواء .. حملتها على كتفها .. ألتفت إليَّ وقالت :
– جميلة لكن بها عيب واحد؟!
– يا ريت أعرفه ..؟!
– اسمها .. يا ريت تغيره.
تزلزلت .. تسمرت مكاني .. شعرت بدوار .. اختنقت .. مادت بي الأرض .. تمنيت لو أنها تنشق .. لو أني لم أحبها .. لو .. لو…….. ، طأطأت رأسي حزناً .. وحسرة.. وأسفاً .. بينما هي ، أسرعت تلبي نداء أمها .. دخلت .. أغلقت الباب دوني .
وكان الليل .. والفكر .. والسهر .. والطريق القديم .. ، وأنا أتسكع ، يلفنا صمت ، رهيب .. يشبه صمت المقابر..لا يكسره سوى ؛ صوت كلب ينبح أنثاه ، وخطى يابسة ، بائسة ، تعيسة .. فوق طريق قديم .. كنت أنتظرها فيه .. يجيئني وجهها المخملي .. أبصق عليه .. ثم أعود إلى حجرتي الصغيرة .. المليئة بالكتب .. الأحلام .. الصور الملتصقة بالجدران .. أفكر .. أحلم .. أتمنى.. أن تجئ .. تعود .. فما جاءت .. وما عادت .. وما عدت أراها .. إلا نادرا .. في اليقظة .. وهي تتأبط ذراع زوجها … عندما تكون في زيارة …. إلى بيت أمها

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
شخصية خارج النص الروائي ..!
التالي
صدع

اترك تعليقاً

*