القصة القصيرة

إستقالة

رجاء عبد الفتاح..
بياناتي في المرآة:
ذاهلة خالية التركيز أبدو، مسحة عينيّ تبدي صفاء ساكتا بلا عقل، الزمان طفل يلهو على وجهي، يبعثر أخاديدي يقلب سحناتي، بطبشور العمر يرسم خطوط آلامي وأوجاعي..
يضحك مع كل لحظات وجوم، في هستيرية الثواني يشرع يطلي مقدمة رأسي بالطبشور.. يهيئني جدة.. تسخر مني وتضحك معه.. أبكي وحدي.. مرآتي تخذلني.
صياح الأطفال يوقظني كل صباح، أنهض مفزوعة، أنظر لإطار الصورة؛ أتوارى.
يغسلني الطنين في حمامي، أغمض عينيّ، أسبح مع سكتات الأمل، كسل لذيذ يدغدغني، منشفتي تخرجني من تيهي، تذكرني بالوقت، يصحو صوتي بكرا يرن رناته المعتادة في جوف الصالة:
ـ يلا يا بنات.
تسبقني قدميّ على المطبخ، ثعبان يفاجئني، يطوق رأسي، يشد عضلاته ضغطا على جمجمتي، أكاد أغيب عن الوعي، يسقط فنجاني..
علامات الطريق إلى مدرستي تستقرئها عجلات السيارة الهرمة من تهتهة شرودي، ووميض باق من النعاس، والرأس الممتلئ بالخطوب..
أدرك أن القدر يفسرنا على مراحل مشوار حياتنا، شفرات لا نستطيع جمع شظاياها أحيانا، أن يلحمني القدر قبل الخوض وأنا في ريعان شبابي بمدارس الأطفال، أضحك معهم، ألعب معهم، أتعلم معهم، وأخيرا أبكي في خلوة صخبهم..
تحاصرني الذكريات، ترتسم شريطا سينمائيا على زجاج السيارة الأمامي تحجب عني قهر الناس ومعاناتهم، وضجر السيارات الواقفة التي لا تتحرك في أنبوب طريقنا المزدحم المعتاد..
كل شيء يمضي رتيبا خانقا، الصبح ما عاد يجيء بمذياعه القديم في طفولتنا، ويوقظنا، يحفزنا، بصوت أم كلثوم “يا صباح الخير يا اللي معانا.. الكروان غنى وصحانا” وعلى طريق السلامة تصحبنا شابة بصوتها ذي الوقع الحساس الأليف، هذا الأثير كان يمر في دمائنا ينشينا ويعطينا الطاقة..
كان منيرا رائقا رغم قرس برودة شتائه ، انتهى آخر لعبي ومرحه معه، لا أعرف من أغلقه في وجهي وأطفأ نوره في السماء وعلى الوجوه من حولي..
لم أذكر لي شقاوة البنات أثناء دراستي في الجامعة، ولكني كنت منطلقة، أسير كأني أود أن أحضن العالم من حولي، كانت مرآتي بكرا، كانت تألفني وآلفها، كثيرا ما نضحك خفية، وهي تزيّنني زينة المرأة الأنثى بجسدها البض، وتكحل عينيّ، وتجلي وجنتيّ تنفخهما وضاءتان، وعينان شقيتان واسعتان برموش كثيفة بهما خجل مصنوع، كنت أنثى متميزة تلفت الأنظار أحيانا، ولكن كثيرا ما يربكني هذا الخجل..
لم أعرف متى غدرت بي هذه المرآة بغتة، وبدلت بيانات أرشيفي في عينيها..
كنت حبيبة مثل سندريلا، يغار كل من حولي من حبي، في الأيام الأولى من هذا الحب، أيقن أني ازددت طولا، اتسع فكري ورؤيتي للوجود، هل الحب الذي سواني على هذا؟ أم بطلي.. حبيبي؟
كلاهما كانا عملاقين الحب الذي كنا نتعرف عليه خلسة بين دفتي كتاب، أو من خلال مشاهد سينمائية لأفلامنا القديمة، وحبيبي..
آااه حبيبي..
يا ملكا متحررا من السماء، كيف لا أدرك وأنا في خضم السعادة أنك سترحل؟ كيف كنت لا أدرك أنك نموذج يمثل الواقع من حولي ويضحك علينا جميعا، تحاول أن تشبهنا.. وأنت ملك؟
نعم كان يجب أن ترحل عن هذا الواقع الذي لا يشي بحقيقتك..
يا حسرتي!
لماذا لم أر عينيك وأنا لم يفارقني النظر إليهما دوما؟
كانتا تبثان وميضهما الحقيقي بأنك ستغرب.. ستفارق هذا العالم..
لم تكن حبيبا أو زوجا، كنت روحا تتخلل جسدي.. تبث في روحي الطاقة والعنفوان.. تبث الحياة..
هل تعلم أن ارتباطي بك أنساني جنسي لبعض الوقت، وأنا في غمرة الحديث بين الزملاء والأصدقاء أتكلم كلامك، أفتعل إيماءاتك، أقول أشعارك دوما؟
يا من علمني أول ضحكة من القلب، يا من أطلق سجن قدميّ وأنا معك في كل مكان، أجول معك الساحات والميادين، وبعض المدن، يا من استنطق لساني بحلو الكلام، وألذ النكات، يا من مددت ضحكاتي إلى السماء.. أين هي؟ وأين أنت؟..
مالي اليوم كل شيء فيّ يسرقني عمن حولي، كاد ركاب السيارات من حولي أن يرفعوني بصندوقي القديم هذا ويقذفوني على الطوار، وأنا أفيق على معالم شرطي المرور المتجهم يصيح ويخبط بعنف على مقدمة السيارة يقطع الشريط من على زجاجي الأمامي “وششششششـــــش” ألاف من الذرات أمام عيني كالنمل السكر المكهرب فقط تومض، تعلن قطع الارسال..
يستقبلني عم محمد البواب في بشاشة صباحية، وهو يسرع لفتح بوابة المدرسة “ميس رجاء.. ميس رجاء” بناتي الصغار المحببات لقلبي يتهامسن في خجل بكر، البعض منهن يبتسم لي، أبادلهن الحرج وأمر، أعبر إلى مكتبي متمنية ألا يراني أحد، أدلف في صمت وحرص، دقائق قلائل ويتجمع الطابور، دقائق ويفاجئني، أنظر من النافذة أراه، الكل يتجمع حوله، مدرسين ومدرسات، وجمع غفير من التلاميذ، يصبح على الجميع في ميكرفون الإذاعة الصباحي، يلقي قصيدته الأخيرة، الكل يطلب المزيد، ينظر إليّ بنفس العينين اللتين تبعثان بالوميض المشفر إياه، أعود طفلة كبقية التلاميذ فرحة به، شفتاي تبتسم بأوسع ما عندها من ليونة، تقطر لعاب دمعات عينيّ الحريصة، كيف له أن يأتي بهذه السرعة والخفة، وأنا قبل أن أنهض من فراشي رأيته يغط في سبات عميق، كان ساهرا حول أوراقه حتى الفجر؟
ما زال صوته يجلل في الفناء، وما زال الحسد يحاصرني من الزميلات، يطول تيهي وأنا أطل من نافذة مكتبي إلى الفناء، وكسل الأولاد وهم يتجمعون على عادة الطابور الصوري الذي كاد أن يختفي لولا حرصي عليه..
قطع جرس تليفون مكتبي أكثر من عشر سنوات مرت من ذكرياتي معه، وذكرياتي هنا في هذا الفناء..
نطقت بلا صوت على مدير المديرية، الذي أشاد بأني دوما كنت نموذجا هائلا لمديرة مدرسة، وأكثر من خمس مدارس للأطفال توليت إدارتها، ولهذا أراد أن يبلغني الخبر بنفسه، لا أعرف لمَ أخفيت قراري عنه، والمدرسة الجديدة التي سأذهب إليها قريبة من بيتي..
أثناء “الفسحة” جمعت كل المدرسين والإداريين والعمال، استحلفت عينيّ أن تتغاضى في هذا اللقاء عن عادتها الأخيرة في السنوات الأخيرة ـ البكاء المستمر الفياض ـ رغم أني جمعتهم لأخبرهم خبر نقلي وأودعهم، ولكني لم أفصح بشيء فقط ودعت الجميع، على آخر نفس حريص يشد دمعاتي إلى عمق الداخل، استأذنت من الوكيلة بأن تحل محلي وانصرفت..
على باب المدرسة بضحكة استعرتها من الأطفال، وصياحهم في أذني ولهوهم ولعبهم نثرت الدمعات، واحتلت في أذني طلبات أولادي المؤجلة، والكبرى التي قالت صباحا قبل أن أغادر في ضيق وتبرم ” شريف يا ماما يستعجلنا.. عايز قرار قبل أن يسافر” كيف أفرط فيكِ وأنتِ ما زلتِ صغيرة؟ كيف وأنا الطامعة أن تشاركيني مسئولية البيت.. أن تأخذيني في حضنك تهدهديني.. تذكريني بأني كنت يوما أنثى؟
أخفيت الاستمارة التي وقعت عليها في مظروف، ونبهت على فراش مكتبه ألا يخبره عن وجودي، وذهبت إلى مرآتي.
أحدثها : هل أعود؟ أم انتهت الرحلة؟

السابق
زمن
التالي
قراءة نقدية في نص “إستقالة”

اترك تعليقاً

*