القصة القصيرة جدا

إسراف

“كرم” هو اسم على غير مسمى، لا يمت لهذه الصفة النبيلة بأية صلة. يختبيء خلف شحه وكأنه مقاتل جبان. يلوذ بالفرار تجنباً لإلقاء التحية، يطرق رأسه ويمعن النظر في خطواته حرصاً منه على حذاء ما زال ينتعله منذ أن ثبتت قدمه على قياس معين. كان يصطدم بالمارة جراء ذلك ويعبرهم حتى دون كلمة اعتذار. حفظ عن ظهر قلب كل المطبات والحفر المنتشرة في المدينة، وما زال حذاؤه صامداً في وجهها. كان يتأبطه عندما تعترضه مياه آسنة أحدثتها قذيفة في أنابيب المياه، ويفرش فوطةً فوق الركام ليجلس عليها ويباشر في تنظيف قدميه مما علق بهما، ثم يدشن حذاءه بقدمين نظيفتين ويتابع جولته الصباحية المعتادة، متجهاً صوب مركز تقديم المساعدات وهو في أبهى حلة. يقف في الطابور الممتد إلى آخر الشارع وينتظر حلول دوره، ليحمل بعد ذلك كنزه الثمين ويقف على ناصية شارع وسط المدينة، يفرش مخصصاته ويرفع عقيرته بالغناء مروجاً بذلك لبضاعته؛ فيستقطب الناس الذين يدنون منه من باب الفضول ليس إلا. كيف لكل هذه الأناقة البادية للعيان أن تنخرط في بيع وشراء بهذه الطريقة اللافتة ؟ هكذا كانت عيونهم تنطق بما لا يتجرؤون على البوح به له. ربما لهذا السبب كانت بضاعته تنفد بسرعة. يعود أدراجه بعد ذلك ليحصي ما جمعه لهذا اليوم، يقفل باب غرفته وتبدأ عملية الجمع مع غلة الأمس وما سبقه، ينسقها بمزاج عال من البهجة، يحدثها ويهدهدها كطفل صغير ثم يصرها بتأن ويخفيها في حذائه. كل يوم كان يمارس نفس الطقوس بدءاً من أول شعاع ضوء وحتى آخر غمضة عين، يقاومها بصمود متمرس إلى أن يبزغ الفجر. ينهض بتكاسل ويبدأ شعائر يومه كالمعتاد. أثناء سيره غفل عن حفرة كانت سبباً في سقوطه؛ فتدحرج حذاؤه مسدداً بذلك هدفاً في مجرور الشارع، وهنا كانت الطامة الكبرى، خلع ثيابه غير آبه بنظرات الفضولين من المارة ولحق بحذائه. دخل عن طيب خاطر وبقي هناك. لم يعد أحد يعرف عنه شيئاً. اليوم وأنا في طريقي إلى العمل لمحت حذاء عن بعد وعرفت صاحبه فوراً، أسرعت بالتقاطه لأجد فيه ما لم يكن يخطر ببال أحد. كل ما كان يملكه أصبح بين يدي دون عناء. لقد كان ظني في محله عندما كنت أرقبه في جولته الصباحية وكيف كان يتعامل مع الحذاء. عدت إلى الحي مبهوراً بما وجدته. أطفال الحي كانوا يتضورون جوعاً بعد ما حل بالمدينة من خراب و”كرم” يكنز المال. وقفت على سطح المبنى الوحيد الذي لم تطله القذائف، وبدأت أرمي النقود على السكان وأنا أصرخ بهم: تنعموا وسدوا رمقكم. لأول مرة منذ نشأة هذه المدينة وبداية المسيرة النضالية للأحذية فيها، يخرج أحدها عن السرب بهفوة من صاحبه.

السابق
أنانية
التالي
ثرثرةٌ

اترك تعليقاً

*