القصة القصيرة

إمتحان الدم

يعود والدي و والدتي من السوق ، تحمل قفة مملوءة بالموز والتفاح البلدي ! هذا التفاح تتملكني رائحته ! أضع التفاحة في تجويف القلب وأغلق عليها ، وأخوض حربا ضروسا ضد معدتي الأمارة بالسوء !
التفاح والبنان ذهب أو ماس ، يحظى بهما فقط من ابتسم له الحظ ودخل في غيبوبة الاحتضار ، حتى على فراش الموت فهو محظوظ ، سيأكل التفاح والبنان !
وكم كنت أحب أن أمرض ، المرض مطيتي لحبة موز أو برتقالة أو تفاحة بلدية ، أو شيء من عطف أمي ،دون مرض لا أحد يهتم بك !
نتحلق حولهما ، ونوجه اللاقط الهوائي بدقة لاقتناص الأخبار القادمة من السوق، لم تكن أمي تترك جزء من تفاصيل أي خبر أو تخفي حتى الممل منه :
-حميدة سيحتفل بعرس ابنه هذا الاسبوع !!
يستفسرها أبي وقد داس على عقب السيجارة بفردة حذائه الثقيل :
-ومن هي عاثرة الحظ هذه ؟
-إنها عويشة ( لمخننة ) المعفونة ، المعتوهة !
يقهقه أبي عاليا ، يكاد يستلقي على قفاه يشفع ذلك بسعال وبصاق :
– ه ه ه ههه ! وافق شن طبقة ! هبيل وهبيلة وتهنات المدينة !
تجتر الوالدة ما قالته وتعيده مرات كثيرة : أسطوانة معطلة ! تحرضنا على ضمان مكان في هذا العرس ! نحن أيضا سنحظى بحفنة حبيبات من الكسكس تعوم وسط بركة مرق لذيذ معطر بالتوابل !
اللحم ضيف عزيز مكرم ، لا يرضى ببيوتنا ، يعز حتى في المناسبات ، فهو نادر ، وباهض الثمن ! يحظى به الكبار ، أما (نص روح) فهم أشبه بالضباع ، ليس لهم من الفريسة إلا بعض العظيمات في الصحن العائد فارغا من معركة أمعاء وقواطع الكبار!
ننشر الخبر ، نوقد نارا في كومة قش يابس ! نعقد نحن -نص روح – اجتماعا طارئا تحت ضوء القمر في بستان الصبار : نقرر اقتحام منزل العرس ، بالقوة ، (نص روح ) عنصر خلل غير مرغوب فيه ، جراد مدمر !
ثلاث عيطات شعبية تعشش في تلافيف مخاخنا ، و تستحق منا المغامرة والمجازفة:
( -خربوشة -حاجتي في قريني – العلوة ) عيطات رائعة ، تتقنها الشيخة بنت لقرع أداء ورقصا على القعدة ، بهز الأرداف ودك الأرض دكا ، تحت خشخشة الحلي والجواهر، والأساور والفساتين المزركشة : تباهيا واستفزازا لبنات الدوار! هن مسكينات لايملكن من هذا إلا تنهيدة وزفرة عميقة و حظا عاثرا وشيئا من عفة نفس و كرامة و شرف !
حظ أمهاتهن ليس أحسن حالا : الغوص في روائح بول وبراز الأطفال الرضع ، روائحهن تبعث على التقزز والغثيان !
العرس يوم السبت ! ،نجتمع -معشر نص روح – في بستان الصبار ، على أهبة الاستعداد ، ننتظر الإشارة من زعيم الجراد ، لاكتساح منزل العريس ، ندبر خطة خطيرة ، تتلف صاحب العرس ، فيعجز عن رد هجومنا الكاسح !
يتحلق أعضاء ( فرقة الشيخات ) حول أيقونة ( الرباعة ) : الجيلالي الطعارجي ، بوكرش رحمه الله ، يضع كرشه المكورة أمامه ويبالغ في طلب الطعام ، طلباته لا تنقطع ، إطعام هذا الفيل من بداية الحفل يقلق مسؤولة القدور :
شاع أن المسكين قتلته كثرة الضحك والأكل ، اختل توازن أمعائه فودع الدنيا !
يسود صمت الصمت ،تخرح كلاب الحراسة عن طوعه ، تقتفي أثرنا ، نتسلل كاللصوص من بسيتان الصبار ، نتربص ببيت العريس ، تفضحنا خشخشة الاعشاب اليابسة تتهشم تحت النعال والأ قدام الحافية ، تمعن الكلاب في النباح نراوغها، نجود عليها بشيء ما ، نكسب ودها : رشوة بسيطة تؤمن لنا الطريق ، نقتحم فتحات الأبواب و النوافد شبه مغلقة ، يضيع صاحب العرس في متاهات أجساد الشيخات تعانق الفراغ ،يترك المسكين الجمل بما حمل، ينتشي حموضة كبته ، نندس بين أجساد الحضور نسد الفراغات بينها ! ننتشر في جميع أنحاء صالة الحفل ، وجودنا في مكان واحد يثير انتباه هذا المخبول ،صاحب العرس فيحرض علينا من يطمعون في وده ويتملقونه هذه الليلة !
نتسترخلف الأجساد ، وراء الجلابيب و المعاطف الكبيرة ! نستمتع بمستملحات الجيلالي بوكرش الوقحة ، يناظر الشيخة بنت لقرع التي تحسن الغمز واللمز ، هي أيضا حفاظة نكت وغرائب أعراس ومغامرات ليل !فهي من أشد بنات الليل حنكة وتجربة !
تخيم غيوم كثيفة من الدخان ، يتصاعد إلى السقف ويتسرب عبر الشقوق ، وفتحات الأبواب والنوافد ، تسود نوبات سعال هستيرية من حين لآ خر ، يتحول المكان إلى سوق شواء وساحة هرج ومرج ! نحن – نص روح – نتلذذ بهذا الدخان ، ونتظاهر بجنون ( التبويقة ) نقمع شياطين شغبنا ، لا نرغب في لفت انتباه صاحب العرس ، نحن عناصر خلل ،يمكن التخلص منا في أي لحظة !!
ينام الليل ، تهدأ أصوات الصراصير ،يخلد الكلاب إلى الراحة ! يأخذ التعب من رجال الفرقة مأخذه، استهلكوا كميات كبيرة من الخمر المغربي المعروف ب( الروج / بولبادر ) ممزوجا بلفائف الحشيش ، تدخن الشيخات فقط سجائر أنيقة شقراء ، أمريكية الصنع أملا في التميز عن هؤلاء( البوكر/ الخروطو / الحرافيش ) !
تقتل الفرقة بعض الوقت ، تسود الدردشة بين الشيخات يفقدن التحكم في حبالهن الصوتية جراء السكر و تدخين التبغ الأصفر والتعب ،و الجوع :فيرتخي الوتران الصوتيان ، تبح الحناجر ، فيشد الإيقاع الموسيقي عن العادة ، ويختل الأداء !
المقدم من علية القوم ، مسؤول عن نظام الحفل ، بصوته الجهوري يطلب من الحاضرين الصلاة على الرسول ، نتحول -معشر نص روح – من عفاريت سيدنا سليمان إلى مؤمنين ، نبالغ في الصلاة على الرسول، ونكتم تلك القهقهات التي تكاد تنط من حناجرنا ، نتقن فن النفاق رغم طراوة عودنا ، طمعا في درة عطف من المقدم ، علنا نحظى بنصيبنا من طعام العرس كباقي القوم !
يعلن المقدم ، بداية ( رواح لعريس : من الطقوس ) يحضرون مولاي السلطان : هذا البليد ، الأرعن ، نحق معرفته ، اسمه (بعيزة ) ونلقبه الديك الرومي : مخاطه كان يتدلى من أنفه مسافة مهوى القرط منه ، يمسحه بكم قميصه المتسخ ، وعريضة قفاه : علامة خبل وبلادة ، ها هو يأتي وفي حاشيته وزيره (الرويبعة شفار البيض ) سبحان الله هو أقرب الأصدقاء إليه حتى في البلادة ، كنا نحتقرهما معا !
تسير أمامهما فتاتان جميلتان : ترمزان لاستمرارية السلالة ، تنثران مسحوق الورد وأشياء أخرى النساء أدرى بها و تخص عالمهن المتخن بالشعوذة وأفكار إبليس ، من سحر وجن و {عين الحسود فيها عود} ، { يمشي ما يعود} !
الفضيحة هم ثقيل ، تقتل النخوة في النفس ، وقد تمس العروسين معا ! عائلة العريس تخاف على ابنها من العنة المبكرة ! فيصبح أضحوكة أقرانه ، وعائلة العروس تخاف غدر ابنتها لحظة ضعف بشري خلسة ، في مكان ما و زمان ما !
تبدأ الطقوس بضرب البنادير وقرع الطبول تحت ضوء القمر الباهت ، تصدح حناجر الرجال بأهازيج شعبية تتخللها زعرودة أخت العريس المبحوحة : سير أخويا …..سير .،.سير … لحمير…. سير …..!!
تعلن عن قطيعة حاضر العريس عن ماضي عزوبتة ،ودخوله عالم الرجال !
و تستمر عملية الرواح ( الاحتفاء ) في الهواء الطلق لمدة تقصر أو تطول حسب فعالية رفقة العريس !
يحين تقديم العشاء للضيوف ، نبدأ رحلة مكوكية بين الموائد بحثا عن مكان للعشاء . لا أحد يحب -نص روح – لا احد يرتاح لهذا الجراد القادم بدون دعوة !
يمسح المقدم المكان بعينيه الجاحظتين ويصيح بأعلى صوته :
– نص روح !!…..نص روح !!… برا……اخرجوا………اخرجوا …….اخرجوا …!!
يقذف بنا خارج المنزل ،نمارس لعبة الانتظار إلى جانب الكلاب . ، تحلق أنوفنا الصغيرة في الفراغ ، تقتنص روائح الكسكس االشهية التي تملأ هذا الخواء ! تأتي الأطباق المملوءة تباعا لتعانق موائد الكبار الشرهين، نتلمظ ، نستلذذ نمضغ الروائح ، نلوك الفراغ نعيش حلم اليقظة ، أمعاؤنا تؤلمنا !
دقائق ، تأتي الأكف العريضة المتسخة على الأخضر واليابس ، تأتينا فقط لقيمات من كسكس بارد ، تعوم في مرق لذيذ نحن أطفال ، نصف روح !
تقذف الكلاب ببعض العظيمات ، تشتد المناوشات وتجرد القواطع من اغمادها ويحتد الهرير والهسيس والانين والنباح ، معارك دموية قاتلة من أجل لاشيء ! نحن -نص روح – ايضا كنا نخوض ،هذا النوع من المعارك على فتات عاثت فيه الأيادي القدرة والمتسخة فسادا !
تنتهي طواحين الهواء من الدوران ، تنقى الأسنان بأعواد الثقاب ، و تبدأ ثرثرة الشيخات من جديد ، وهن يتهيأن لرقصة الوداع الأخيرة ، تلوح خيوط الفجر ، تطرد جيوش العتمة ، و تداعب الوجوه المتعبة ، ينفد كل شيء : السجائر والخمر ، يبدأ رحيل الضيوف ، يختلى مولاي السلطان بلالة لعروسة ، تتلقف عائلة العروس سروال ابنتها الملطخ بالدم ، في لهفة وشوق ، يفندون مزاعم الاعداء ، الذين يصطادون في الماء العكر ، تنجح مولاتي في امتحان الدم ، الدم ولا شيء غير الدم ، هو شرف العائلة ! ويوشح مولاي هامة أقاربه بوسام الفحولة !
ننسحب من العرس ،جوعى ، مقهورين ،مذلولين ، نغالب النعاس !! ،وأهازيج التغني بشرف العروسين تدغدغ مسامعنا وتثير في انفسنا التقزز و الشعور بدونيتنا ، نبتعد عن المكان ،نعرج على البيدر نرتمي فوق أكوام السنابل ، نروح في سابع موتة !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
المعاني الخفية
التالي
فوانيس المراكب العربية

اترك تعليقاً

*