القصة القصيرة

إنتظار مواسم الأمس

قبل أن يطرق باب بيتها كان يدرك أنّه اصطفى نخباً عقيماً مختنقاً بنشوة الأحلام، جاء من أقصى مواسم الأمس والضياع، تبعثره المحطات، كانت مرايا كونه معصوبة الصدأ، والخطوات تصهل بشغف فوق حرائق أرصفة الغربة، يحمل حنين عشرة أعوام مضت. يُربِكه طنين حاضر لعق ملامح أمكنته؛ فبدت كوادٍ غير ذي زرع.
” لِمَ ذكرتها الآن؟ ألم يكن بيننا فضاء من النسيان”؟
أراد أن يرتدي دروباً معتّقة بصدى البوح، ويشهق بما تبقّى من حنين مزّق أهداب رمش الليالي، فيتأمل سحر العيون من نافذة وجع عشق لم يغادره يوماً مذ هام بتلك العيون الناعسة.
عمر أًفِلَ في متاهات أسراره، فمن يرمّم شيبه أو يفتح نافذة للبوح؟ أتراه أختارها لتقاسمه حِلكة الليالي؟. هو يدرك أنّه قطع تلك المسافات الملتهبة بالظمأ؛ ليستعيد أنفاسه التي تركها فوق جدائلها عند ليلة بحّت بها مواويل الفجر أغنية عشق تقطر ندى. كان وجه سلمى يرقب خطواته بجنون، تحاصره بعينين أثخنت قلبه اشتهاء، تطعمه همساً حين تلثم شفتيها، تغويه بارتعاشة شهوة حين يحطّ على ضفاف غنجها، فيشغله زفير الانتظار. ولمّا وخزَ بوتقة حرائقها ذات ليلة في غفلة منه، تسلّلت قُبلاً ملتهبة بآهات حرى، تهشّ بها أنفاسه، تؤجِّج نار الغواية بفحيح أنثى، تراوغ شهوته، تصافح دقات قلبه المتسارعة، تخترق تيهَ جنونه باحتراف، حتى أبرأت جسده بارتعاشة لم يعرفها من قبل، يسقط فوق عشبها السرّي، يلملم كومة أنفاسه المبعثرة فوق شفاه تعلوها الضحكات. ومنذ أن أغوته الحرائق بلهيب اللذّة، تشرنق داخل طوق مفاتنها، يحوك خيوط سرّها الدفين في حجب مخفية كقطار ليل يدور في فلك المتاهة والضياع، صار الليل مأوى للتوق، يستظلّان بصمت العتمة، فيصير الجسد قمراً ظامئاً لصفحة ماء يترقرق بالصهيل، يشدو قوافي الشهد طوعاً بين ساقَي زنبقة أطلقت عطرها للريح، يستظلّ بغسق يبحث عن مناطق غامضة بالتفاصيل. كان مسافراً ترافقه خطى العمر، تنهشه الهاوية بمخالب التيه المدلّلة لتميط عن لبّه البصيرة. لم يدرك غير شواطئ العبث والخواء والضياع، شواطئ سنين أسكنته دروباً بلون حماقات الأمس، ألبسته رداء الصعاليك وعراء البراري؛ ليكتب سطراً من سفر الجراح على أرصفة من وجع، ويمضي وحيداً لم توقفه المنافي الغارقة في غياهب المحطات، ولا ساعاته المسكونة بعبث الخمر، فيه من تراتيل الهذيان وتركة العاهات ما يكفي ليرسم بدموعه تلّة من الظنون، ويجوس قتامة الأجداث، لبث في عتمة قبوه زمناً باغته بالندم، حيث غدت الأيام عارية من ساعاتها، والسماء فقدت زرقتها وأفق ذكرها الذي يطمأن به القلب. شريد مهاجر وقلب يبحث وسط حنينه المتوهج عن ملامح ذكرى، وعن فراشة تحلّق بأجنحة من نارعبر ضوء خافت فوق أزمنة آثمة تنتظر العزاء، أزمنة تنخرط في أقصى المقابر مثل شهاب ساقط خلف المدى. وحين تصبح الذكرى ضوءاً في آخر النفق، تهيم روحه بعطر أنفاسها، مثقلة بالشوق للهمس، يتهجى ملامحها، فيعود من منفاه يحثّ الخطى إلى منفى مفاتنها وسحر الحديث، محلّقاً بأجنحة التسكع، يحطّ على ضفاف فراغ لم يكتمل بعد . وقبل أن يطرق بابها ارتجفت ضلوعه لتطرق باب القلب، فإذا بعشرة أعوام بكامل أرقها تسطع في ارتعاشة دقاته المتوالية على باب سلمى،
“سلامٌ عليك يا دار سلمى، أرجأني النسيان إليك، ألا تأتين”.
وانتظرعشرة أعوام أخرى ليسمعَ وقع خطواتِها القادمة من خاف الباب

السابق
تحد
التالي
لا تسرّ الأنانيين…

اترك تعليقاً

*