القصة القصيرة جدا

إنتظار

كانت تسير في حالكات الليالي، بعد أن قايضت بضاعتها من فراء الثعالب وما نسجت يديها من سلال وغيرها من الحرف اليدوية بطعام لتسد رمقها في تلك القرية المترامية الأطراف، زوجها كان مسافر لبلوغ أمر ما في المدينة البعيدة، وهي تعدّ الأيام لرجوعه، القمر يبعث بنوره خجلا من بين الغيوم، تجتر همها وحزنها بصمت، تحمل زنبيلها على ظهرها الذي تقرّح من هذا الحمل الثقيل، تنظر أفول البدر خلف التلال القريبة منها، ينهكها التعب، تجلس هنيهة عند صخرة سوداء، كاد الظلام يقتل فرحها، بدأت السحب السود تتجمع وكأنّ عاصفة هوجاء ستعصف بالمكان، لملمت أشياءها لتستظل تحت أيكة عظيمة، جمعت بعض لحاء الشجرة المتساقط قربها، حاولت أن توقد النار إلّا أن الريح الباردة تطفئ عود الثقاب، هطلت زخّات المطر بسرعة فائقة بللت الحطب الموجود تحت الشجرة، حاولت أن تجمع بعض القش السريع الاشتعال، أشعلت عودا آخر ما لبث أن انطفئ مرة أخرى، نزلت هذه المرة نتف الثلج التي غطت الأرض من حولها، البرد قارس جدا، رشح انفها المتطاير منها يتجمد كحبات لؤلؤ في الهواء، ترتعش من البرد، عادت مرة أخرى لعود الثقاب، تحاول أمساك العود لتوقده يسقط من يديها في ديجور هذا الليل البهيم، تنزل دموعها متجمدة هي الأخرى في الهواء البارد لتجرح خديها المتيبستين، تندب حظها العاثر، حدثت نفسها: _أأسير وسط هذه الثلوج؟، أجل أفضل من بقائي هنا يقتلني البرد أو الوحوش_ حملت أشياءها وسارت تحت جنح الليل القاتم، تلفحها الريح من كل صوب وجانب، تجمع قواها لتحث الخطى، إلّا أن خطاها كانت وئيدة جدا بفعل الثلج والبرد، سمعت عواء الذئاب وسط سكون الليل، توقفت تملّكها الخوف من هذه الوحوش المفترسة تارة ومن زمجرة الريح القاسية تارة أخرى، اختبأت في جوف شجرة كبيرة، القدر قد حالفها هذه المرة، كان عود الثقاب الأخير الذي تملكه، وجدت بعض القش اليابس تحتها في ذلك الجوف أوقدته هذه المرة سرت الفرحة إلى وجيبها ودموع السرور انهالت من مآقيها، نامت بعد تعب وجهد ومعاناة، لتصحو مع شروق الشمس وشعاعها الفضي البهي لترى الكوخ ليس فيه نار منبعثة من المدخنة، توجست خيفة، حثت خطاها للكوخ، دخلت لم تجد زوجها سوى لورقة كتب عليها :
_حبيبتي انتظرتك كثيرا وقد طال غيابك وها أنا ذا أتقصى أثرك للقرية فانتظري عودتي.

السابق
مستعمرون
التالي
سرمدي

اترك تعليقاً

*