القصة القصيرة

إنجي

كعادات الصيف في بلدنا الريفي الصغير ألوذ معظم اليوم بشجرة التوت الملاصقة لأرضنا التي تبعد نصف ساعة من السير مع الحاج وساعة من السير مع الأصدقاء والأقارب وربع ساعة بالحمار الرهوان، أقضي فترة القيلولة بعد الإفطار في مداعبة كل الموجودين ثم أستسلم للنوم تحت تأثير خارق لهوائها البحري المصنوع خصيصا لها من الظهيرة وحتى انكسار الشمس، كنت أعرف أن شقيق جدتي الأكبر سيحضر اليوم في المساء من البندر مع زوجته لقضاء نهاية الأسبوع ومعه زوجته وابنته الوحيدة، لم أهتم كثيرا لحديث جدتي عنها وهي تُسخِّر كل من في المنزل من أعمامي وعماتي وزوجاتهم وحتى السيدات اللائي يحضرن لها اللبن والبيض والسمن، لتنظيف المنزل وإعداد ولائم لم يسبق لها مثيل استعدادا لكسر مقاطعة استمرت سنوات بسبب موقف لا أعرفه لجدي رحمه الله مع والدها. أشياء لا أفهمها ولا أهتم بها. لم أأبه وسط كل هذا الزخم بإشارة جدتي إلى أن الفتاة تقاربني في العمر، أنا أحب كل بنات القرية ولا مكان في مملكتي لفتاة جديدة، ورغم تأكيد والدي وأعمامي أن أعود مبكرا لأنني أمثل أول إنتاج للجيل الثاني وأكبر أولاد عمي رغم أني لم أكمل السادسة عشرة بعد، يُحملونني مالا أطيق ويطلبون مني أن أكون رجلا، لم يظهر شاربي بعد ويريدون النوم مع زوجاتهم حتى منتصف النهار ويتركون لي ولباقي أولاد عمي الإستيقاظ المبكر ومتابعة العاملين في الأرض، ثم يحضرون منفوشي الريش يأمرون وينهون، أنا في حالة تمرد هذه الأيام وأدعو لثورة قريبة على هذه الأوضاع الظالمة، عدت على أقل من مهلي وتعمدتُ المرور على كل أصدقائي ولعب الكرة في ساحة القرية، أخيرا وصلت إلى المنزل، هي في الحقيقة ثلاثة منازل متجاورة، الكبير فيه جدتي ومكون من دورين، والخلفيين ثلاثة أدوار بكل منها شقة مستقلة، استقبلني أصغر الأعمام الوصولي المتحذلق الذي يكاد يعبد أخواله من كثرة حديثه عن عزهم وجاههم بالصراخ والغضب، لم أعره اهتماما فازداد انفعالا وكاد أن يضربني، أسرعت أحتمي بجدتي حبيبتي وحمايتي فنهرَتهُ على الفور. أحدث الصراخ الغاضب جلبة فانتبه الجميع، استدرت على صوت غريب جدا ونبرة غيرة طبيعية صادرة من غرفة جدتي، انتقلت على الفور من عالمي الزاخر بالبعوض والذباب والأنفاس االبصلية ورائحة العرق الممزوجة بالصبر والغضب إلى منطقة ما بين الواقع والخيال، صعدتُ عشر درجات فوق كل من أعرف وتأكدت أن كل حبيباتي لسن ببنات بالمعنى الذي أراه وأعيشه الآن، تلك الصرخة الناعمة التي جعلتني ألتفت معتقدا أن قطتنا قد تعرضت للتعذيب كالعادة كانت منها. أصابني الذهول والصدمة بالصمت والشلل، حدَّقتُ فيها ببلاهة وفتحت فمي حتى سال اللعاب وتحولتُ إلى مستذئب طويل الأنياب، شيء ما يسير على الحائط ويصعد إلى السقف ثم ينقض علي ويبتلعني.
دفعني العم الغاضب دفعة هائلة مستغلا تيبس أطرافي فألقاني مباشرة عند قدميها، نقلني مباشرة إلى عالم العجائب، كنت أعتقد أن العجين الذي تصنع منه الفطائر ويخبز منه الكعك لا يمكن أن يتحول إلى كائن حي، ما هذا؟ لقد كنت أستطيع أن أرى العروق النابضة أسفل هذا الكيان الشفاف، مددت يدي ألمس ساقها، ابتعدَت إلى الخلف في حركة لا إرادية، لم تفهم كل العقول المتحجرة التي حولي ما يحدث، قمت على قدمي سعيدا بتعنيف جدتي لعمي، بينما اضطررت إلى الإنضباط حين رأيت والدي قادما عند باب المنزل وقد بدا عليه الغضب، حلفت عليه جدتي ألا يضربني، فجلس متوعدا، أخيرا انتبهت إلى وجود شقيق جدتي وزوجته منذ أول المشهد، كان وقورا سمحا لم يتوقف عن الضحك، تنبهت للمرة الأولى لمظهري. كنت كمن خرج من خناقة حامية بعد يوم في الحقل وركوب الحمار ولعب الكرة في الساحة المتربة دائما، وما زاد من إحراجي القطع الذي أصاب البنطال أعلى الركبة بقليل. أسرعت إلى شقتنا في المنزل الخلفي عابرا الساحة التي تفصل المنزلين بسرعة أفزعت الكلب الذي أعشقه لأنه ولد على يدي وربيته من صغره حتى أنه نبح علي، أخذت حماما سريعا وارتديت أفضل ملابسي، وعدت طائرا لأتأمل هذا الكائن الغريب الذي وضعه القدر في طريقي، فوجئت أن موعد نومها قد حان بعد أن لم أجدها. الساعة لم تتجاوز التاسعة؟! حتى في الريف نتأخر أحيانا حتى منتصف الليل، تنام بمواعيد؟! رغم متابعتي الجيدة للأفلام الأمريكية وتعجبي من انضباطهم في مواعيدهم إلا أنني لم أتخيل أنني سوف أقابل مثل تلك المخلوقات الخيالية في قريتي، خرجت أجر أذيال الخيبة وقد لاحظت نظرة شماته من عمي الأصغر الذي يبدو أنه تجرأ وقرر لفت انتباه تلك الفتاة، ما اسمها؟ يا إلهي! لم أركز مرة واحدة مع جدتي عندما كانت تذكره، كان ثقيلا جدا وغريبا على مترادفاتي اللغوية، التقيت بعض الأصدقاء بعد أن مررت على منازلهم، نظرت بتعجب بالغ إلى كل فتاة التقيتها خلال مروري حتى أني سخرت من تلك المتباهية علينا بجمالها وطلبت منها أن تعيد حساباتها وتنظر في مرآة حقيقية لتعلم أن من سماها أنثى قد ظلمها.
عدت إلى المنزل غاضبا من نفسي، لو لم أتأخر لجلست معها وتأملت قليلا فيها وربما لمستها لأتأكد أنها بشرية.
نمت متقلبا، ما أن ذهبت في نوم عميق حتى وجدت أمي توقظني. قلت لها أني لن أذهب إلى الحقل اليوم، حذرتني من غضب جدتي لو علمت أنني رفضت أن أذهب مع إنجي إلى هناك.
نظرت لها متسائلا عن هذا الشيء الذي ذكرت اسمه، ضحكت وهي تخبرني أنها الفتاة البندرية ابنة خال والدي، إنجي؟ نعم نعم… إنجي! يليق بها هذا الإسم الغريب، ناعم رقيق قوي فريد لم أسمعه من قبل، أسرعت بارتداء أفضل ملابسي مرة أخرى، كان النهار في أوله، صعدت إلى منزل جدتي فوجدت عمي الصغير الذي لا يستيقظ مبكرا أبدا يجلس بكامل أناقته بجوار خاله وابنة خاله. إنجي؟ نعم إنها تنير المكان، قمر مكتمل قي وسط النهار.
لاحظت غضبا عارما اعتلى قسمات عمي عندما رآني، ثم جدتي تخبره أنني سوف أرافق إنجي إلى الحقل ولا صحة لما ذكره عن مرضي، نظرت له مبتسما متشفيا وهو يكاد يقتلني بنظراته، طلب مني والدها أن أحافظ عليها ولا أرهقها، بينما حذرتني جدتي من رعونتي وهبلي كما ذكرت وهي تضحك.
حافظت على رباطة جأشي بالضغط الكامل على جنوني، تصنعتُ الهدوء، فاجأتني بأنها تريد ركوب الحمار، حسدت الحمار الغبي على حظه التاريخي وحاولت إثناءها لكنها أصرت، بالكاد أسمعها. لم أتعود على هذه النبرة الرقيقة ولا هذا التردد العميق جدا وكأني أحلم، طلبتُ منها أن ترفع صوتها. ابتسمَت فابتسم لي القدر وتراقصت الأحلام، ركبَت على ظهر الحمار المحظوظ، تعمدتُ أن أسير بها أمام منازل البنات وأعاير كل من أراها بعبارات لا يمكن أن تفهمها صاحبة العزة، وصلنا إلى الحقل في ثلاث ساعات. فوجئت بعمي الصغير في انتظارنا، كان الغضب قد أكل ملامحه واحمر وجهه حتى كادت الدماء تنطلق من عروقه النافرة. صرخ في يسألني عن سر تأخري، قبل أن أتحدث كانت الأميرة تلومه بغضب على صراخه في، ثم قالت له أنها قضت أحلى ساعات عمرها معي.
قُضِيَ علي! غِبتُ عن الوعي، انفصلتُ عن الواقع، جلستُ مكاني في ذهول، وأنا على حالي جلست إلى جواري متجاهلة عمي تماما، من أنا؟ أين أنا؟ حضر الجميع بعد قليل فاندمجنا.
جلستُ تحت توتتي أسجل اللحظة التاريخية في عمري، جاءتني تسأل عن سبب انشغالي عنها. نظرت لها متعجبا! من أنتِ ؟ ابتسمَت في دلال وهي تلاحظ ما كنت أحفره على توتتي المحببة. سارت بأناملها الرقيقة الشفافة المسحوبة كأصابع الموز على حروف اسمها التي نقشتُها، أخذَت مني قطعة الحديد الصغيرة وكتبَت اسمي وهي تضحك بصفاء ونقاء لم أشاهده إلا عندما كنت أتأمل السماء في ليالي الصيف عندما يكون القمر بدرا والنجوم متراصة تعزف سيمفونية بديعة أسمعها وحدي وأنا أهرب من الحرارة الشديدة بالنوم فوق سطح منزلنا، انتهينا من طعام الغذاء وعادوا جميعا بعد أن قطع تأملي المستمر فيها اضطرار والدها للسفر الليلة بسبب موعد طارئ ، كنتُ قد أخبرتُها عن جمال السماء في منتصف الليل من فوق سطوحنا، وكانت قد وعدتني أنها ستكسر قواعد النوم لتعيش معي تلك اللحظات.
صُدِمْت، حبيبة عمري سيحرمني منها القدر، قبَّلتُ ظَهر الحمار الغبي للمرة الأولى في حياته وحياتي، وأعتقد ستكون الأخيرة.
ماذا أقول؟ ما هذا الهبل على رأي جدتي؟ قررتُ عدم العودة معهم لأني لا أحب لحظات الوداع. توجهت ناحية توتتي الحبيبة. رسمت قلبا صغيرا بيني وبينها. ووضعت هذه اللحظات في قلب كبير. ثم ضربته بسهم تنزف منه أحلام ولدت لتعيش في قلبي، كل شيء سيتغير في منطقة ما بين التوتة والواقع.

السابق
فوضى
التالي
معطف قوقل

اترك تعليقاً

*