القصة القصيرة

اتحاد

خرج الولد صباحا من المنزل الجديد ، و لنقل بأنه قديم و إنما هم الجدد الوافدون عليه ، فقد اكتروه ليلة أمس فقط ، حملوا متاعهم في العتمة على عربة يجرها حمار منهك قطعت عليه راحته الليلية،و بينما يتجرع الوالدان مرارة طردهما من سكن عجزا عن تسديد إيجاره يمرح أطفالهما فرحة بتغيير الحارة التي لم تكن تبادلهم مشاعر صافية.ها هو الآن يرى أقرانه يلعبون غير عابئين به ، لم يسألوه عن اسمه و لا عن حارته القديمة ، تعجّب من أمرهم ، و بقي يتقدم ببطء حتى لا يلفت إليه الانتباه ، يقترب من زحليقة حجرية زلجة ، فالحارة كلها مبنية على سفح جبل ترتفع على قمته أعمدة الاتصالات اللاسلكية منذ العهد الاستعماري ، و يعتبر إلى اليوم مكانا إستراتيجيا تتحتم حمايته عند حدوث أمر طارئ . يتسلل الولد كأنه يحاول اقتراف شيء محظور ، فتزداد الزحليقة تبرجا بكامل قواها الإغرائية ،و تزدهي ببريق يخلب الألباب ؛لأول مرة يقف أمامها وجها لوجه لا يمنعه منها سوى إقدامه ، لطالما سمع عنها و عن النشوة التي تفرزها، يتذكر أن مثل هذه الألعاب كانت تأتي كل موسم إلى حارته القديمة الراقية ، و لم يكن له من النقود ما يسمح له بالتمتع بها،فكانت أمه تعلل حرمانه منها بكونها حديدية قاسية ، و بعض الزوايا الحادة فيها قد تلتصق بثيابه فتستل منها الخيوط ، و يزيد والده الطينة بلة حين لا يتسامح معه في أمر آخر؛ و هو لعبة الكرات الصغيرة الزجاجية التي تسمى بالعامية الديبي، و يقول عنها :
ـ هذه لعبة المفلسين و الفاشلين في الحياة ..
و قد صدق فالمدمنون عليها في حارتهم القديمة قد لفظتهم المدرسة و مجتهم الحياة.
و لكن في هذه اللحظات تزداد الزحليقة الطبيعية لمعانا و توسلا ، ربما تستعطفه لأنها مهجورة ،و لا يهتم بها أحد.. هل يكونون قد شبعوا منها ؟ أو لم يكتشفوا لذتها بعد ؟ يراهم منغمسين في الحديث و في رشق الأسلاك الحديدية الممشوقة كأنها سيوف إذانا بقرب اندلاع معركة جديدة بين حارة أخرى ،قد تكون حارته القديمة هي الهدف هذه المرة ، فهذه المعارك تحدث لأتفه الأسباب ،بل بلا سبب في معظم الأوقات سوى مزاج زعيم الحارة الذي عادة ما يكون قويا و طويلا و يستحسن أن يكون شديد السمرة، و إذا أضاف الدمامة و الفشل في الدراسة فلا يُخيّر عليه.
تمهل الولد برهة قبل أن يبدأ الانغماس في حلمه التي يراه في متناول يده ، ثم صعد إليه، أصبح تحت قدميه ، قعد ، نظر إلى كل الجهات ، لا أحد يهتم بشأنه ،كلهم منهمكون في أمور أخرى لا تعنيه و لا تستهويه ، فتأمره نفسه أن يشرع فورا في تدليها قليلا، لقد عوضه الله بحارة ملّت من اللعب ، فلا تنافس و لا ازدحام ، لذلك تمكن من حجز موعد مع السعادة بسهولة فائقة و بسرعة مذهلة ، لقد وصل الآن إلى مرحلة لا يمكنه فيها التراجع ..حرّك كتفيه و رأسه إلى الأمام ، و دفع بيديه ، فنزل، تزحلق ، وفجأة التفت إليه أطفال الحارة ، صرخوا في وجهه ،استهزؤوا به ، صفروا عليه ..قال أحدهم :
ـ عيب عليك أن تلعب هذه اللعبة التي تمزق السراويل من الخلف..
و قال ثان :
ـ هذه لعبة الفاشلين ؛ الناس تصعد و أنت تنزل ..
و قال ثالث :
ـ يبدو أنك لم تكبر و لن تكبر ..
ثم انصرفوا عنه مدبرين فبدت سراويلهم قد بليت من الرقع المختلفة الألوان ..

قاص و شاعر و كاتب

السابق
غضب وعجب
التالي
مدفأة صيف

اترك تعليقاً

*