القصة القصيرة

احترق سهوًا

تقدّم بخطوات وئيدة –جدُّ- وئيدة- تتثاقلت قدماه ، ترددت ساقه اليمنى بداية، ترنح بعد المحاولة .
توقف أخيرا، حك ّ بيده اليمنى ذقنه ، بينما تناهت عينه المنحرفة عند صخرة ترسو تحتها نملة تحمل بين قوارصها شيئا يكبرها !
قال في نفسه مقتطعا جملة من بداية سمجة : وهذه النملة ليست خيرا مني في مقدار التحمل .
امتدت ساقه اليسرى لتلج ، لكنه تراجع مقدار ما تقدم بضع خطوات إلى الوراء ، رفع رأسه لينظر إلى البناء الشاهق ، فأحس بدوار نتج عنه زيادة تقهقر إلى الوراء .
اعتدل وقوفا ، نظر في هندامه (قميص شعبي وفرملة* صفراء عليها بقع زيت وألوان أطعمة مختلفة ، أظهر جيبه الممزق رأس بطاقة تبدو فيها صورته عندما كان شابا حيث شعره الأسود القطط ، وقد صُفِّف بقوة الدهن حتى لصق بقوقعة رأسه . وعارضَا جانبيه وصلا حتى نهاية الصدغ ؛ وهو ينظر في فرملته تذكر يوم انتهت أمه من نسجها ، كان ذلك اليوم ذكرى عقد قرانه ، تزامن مع قطْع (المَسْدة وهو يوم تشهده نسوة الحي ويزغردن أمام المرأة التي انتهت من عملها المتقن المصبوغ بعدة ألوان ، بداية لخير وبشارة .
سحب فرملته جيدا وهيأ طاقيته البيضاء على رأسه حيث استدارت بميل طفيف على جانب أذنه اليسرى ، وألحق الذكرى بقول جدته (راجل معنقر الطاقية )، انعقد حاجباه ودخل بسرعة البرق بعد آخر قولة مشهورة تذكرها (راجل معنقر…)
كانت عقدة رجل تكمن في لفظة تطلقها إحدى النساء أو زغرودة تنطلق من أحد الأحياء ، فتستثير دماء الفحولة ، ليجتمع الرجال حينها على موعد مقدّر.
أما اليوم فلكي يستعين مثل هذا المسكين بدافع يحرك رجولته ، عليه أن يسترد أقوالا مشهورة طرأت على ذاكرته واختزلتها حتى صارت جرسَ تنبيه كلما تغافل عن “رُجلته”.
الصياح بالداخل وتعالي الأصوات هو ما نتج عن دخوله ذلك المبنى ، فخرج على غير الهيأة التي دخل بها ، الأوداج المنتفخة والزبد على جانبي شدقيه ؛ أما رأسه فيخلو تماما من الطاقية .
زوجته “صالحة” المرأة التي لاتكف عن الثرثرة والتشبيه ؛ كان استقبالها له غير استقبالها في ذلك الزمان ، بعدما أردفته بعبارة ” الراجل إللي إطِّيح طاقيته وياخذوها منهّ ؛مش راجل ”
أحس بنيران تستعر فيه ، بحرقة ، بحسرة تملأ صدره وجوفه ، انقطع عن الكلام ، نسي أنه رجل ، ماتت غرائزه وشهواته ، انتحى جانبا ليلتزم التلفاز يطالعه صباحا وفي آخر الليل يختتم حياته بفيلم أجنبي صامت تغمره القبلات والآهات، ثم ينقلب نائما . في صباح اليوم التالي ؛ تنبري العواجل عن رجل أحرق نفسه ، حينما أهانته الدولة .

*فرملة: نوع من الثياب الشعبي

السابق
زُعاف
التالي
شحاد

اترك تعليقاً

*