القصة القصيرة

احلام

..تجاهلتُ كل استفزازاته.. وغضبي.! كان بإمكاني ان اتخمه ضربا، كما في سنوات المدرسة. كان بامكاني، على الاقل، ان ابصق في وجهه، ولن يقوى إلا على النهيق..! لكنه كان قويا بكونه من صلب واحد من اكبر اغنياء القرية، الحديثي النعمة، ومن اكثرهم نفوذا.. وفسادا؛ والذي بامكانه ان يستعمل ثروته ونفوذه ضدي، في حال ضربت ولده، ان يشتري خيوطا لحياكة اي تهمة ملفقة..! وهذا سيشكل نهاية، عند البداية، لموعد زواجي القريب، بعد ان تمت الخطوبة. لهذا غضضتُ غضبي، لما كاد ان يصدم براكتي القصديرية بسيارته الجديدة، ولم صاح من نافذة سيارته :
– اولاد الزنا، ثم بصق بحقد اسود..!
خرجتُ من البراكة، ونار الغضب توشك ان تطلق دخانها، وكلمات من قبيل ( يا إبن الزنا، يا لقيط علاقة غير شرعية بين السلطة والمال…) تكاد ان تقفز من لساني.. لكنه كان قد دخل المقهى، بخطوات تشي بانه سكران..
وقف صديقي حسن الى جانبي. طلب سجارة.. دخلت البراكة، وناولته اياها.. كان يراقب المشهد من ساحة المقهى، لهذا بادرني قائلا :
– لاتبالي للامر، كي لاتنجر وراء جرو مدلل..!
– نعم، قلتُ، جرو يستقوي من نباح كلب كبير مسعور بالمال والسلطة..؟
حينها كان راغب قد خرج من المقهى، وركب سيارته، في تباه وصخب، مترنحا، رفقة شابين آخريين.. هدرت الموسيقى الصاخبة، وهدرت السيارة مندفعة، في جنون، مخلفة سحابة من غبار زحفت على البراكة وما فيها من بضائع، وعلينا..! قال حسن، كما لو انه يخاطبه :
– انت ياراغب لم تخسر شيئا، ولن تخسرا شيئا.. ولا سنتيما.! ولاتستطيع الحصول على سنتيم، لولا ابوك، لولا اموالنا التي نهبها ابوك..؟
– اوفْ، قلتُ متضايقا، لن استطيع تحمل هذا الاستفزاز العبيط مرة اخرى، سأكسر فمه، حتى ولو قطعوا رأسي بعد ذلك..! تفو… بلد يرفع القبعة للصوص، وجِراء اللصوص المدللين..؟
– لن يكون لضربتك وقع اقسى من ضربة احلام..!
ضربة احلام..!؟ احلام حبيبتي وخطيبتي..!؟ قلت لنفسي مستغربا، ثم اضفت بصوت مسموع :
– وما دخل احلام في الامر.!؟
– أَلمْ يصلك اليوم اي خبر.!؟
– لا، لا، لم أُخبَرَ ..! فانا، كما تعرف، اقضي كل يومي في هذه البراكة، استرزق.. العرس قريب موعده..؟
– لقد تحرش راغب باحلام اليوم..( كنتُ اعلم انه حاول مرات ان يتصيدها، من قبل، لكنها صدته باحتقار شديد، ألهب مشاعره ومرّغها في الاحباط والاحتقار.اخبرتني بذلك، لكنها لم تتصل بي اليوم ، ولم تخبرني بما حصل..؟ استعر غضبي، وربما امتقع لون وجهي، لكني واصلت الاستماع..)
– تحرش بها، في العين، وكان هناك بضع نساء وفتيات يسقين..! فبصقت في وجهه. هَمَّ ان يصفعها، لكنها قفزتْ والتقطتْ حجرا كبيرا، ثم صاحتْ في وجهه، بغضب مخيف : سأفتتُ رأسك يا ابن اللص، يا ابن الكلب..لولا ابوك، ايها الجرو، لما استطعتَ ان توفر لنفسك لقمة واحدة، تفو عليك، واتحداك ان تتحركَ من مكانك صوبي، ان كنتَ رجلا، ايها الجرو، تفو… تجمد راغب مكانه، علتِ الصفرة وجهه، وانكسرتْ نظرته في ذل شديد. ولم يستطع إلا ان ينتزع اقدامه الخائفة، وينكص على عقبيه، تحت ضحكات السخرية، وسباب احدى النسوة، ودَبّ بخطوات كما في الوحل، تجر احباطا مذلا، وعبارة ياابن اللص تلاحقه..!
ابتسمتُ.. تبخر غضبي، صار غمامة امطرت زهوا غامرا.. وكبرت احلام في قلبي وعيني اكثر فاكثر؛ وصغر راغب اقَلّ فأَقَلَّ.. وقلتُ واثقا :
– إنها شظايا حطامٍ نفسي تتناثر، لا اكثر..!
– اجل، رد حسن، واضاف :
– راغب يحترق، لان احلام اختارتكَ دونه، هو الذي اعتاد ان يكون كل شيء ، رهنَ إشارة من سبابته المدللة..!
كان الغروب قد استحال ظلاما، وكان علي ان اغلق براكتي، وآخذ الطريق او تاخذني الطريق، الى منزلي، بعد ان امر على منزل احلام، والطريق يمتد مسافة تستغرق اكثر من ساعة..
ودعتُ حسن، بعد ان اغلقت البراكة. واخذت الطريق او اخذني، وحيدا، لعل صدفة من سيارة لشخص ما يعرفني تمرّ وتُقِلُّني نصف الطريق، قبل ان انعطف عبر مسلك وسط اشجار الزيتون…
كانت احلام تملاني شعورا بالحب والفخر والاعتزاز..احلام البطلة.. احلام الجريئة.. احلام التي تدوس على كل الاغراءات الدسمة، من زبدة ثراء فاحش..! احلام التي رفضت ان تبيع جسدها ، كما لعبة يشتهيها دلال راغب الجانح، يغتصبها انى شاء، ويلفظها كيفما شاء..! احلام الكرامة…
سمعتُ هدير سيارة، لم تكن قادمة من الخلف، لتتوقف وتقلني، إذا حدثت صدفة جيدة.. كانت قادمة من الامام. لهذا اربكني ضوءها القوي، حين اطلت من وراء المنعطف، وفاجأتني سرعتها الجنونية، اذ لم اعد ادري اانا داخل الطريق ام خارجها.! فقط ضوء قوي يندفع، هادرا، في اتجاهي، كأنه يريد ان يبتلعني…
صحتُ :
– عروستي، عروستي…!
اردت ان اندفع وراءها، وهي ترفل في ثياب الزفاف الابيض.. لكني صرختُ من الالم الذي سرى في عروقي كلسعة الكهرباء. ورأيتُ الممرضة تلتفت مذعروة من صرختي، وقلت لنفسي، في وهن :
إنها الممرضة..! لقد دهسني ابن ال…!

السابق
أطراف مكسورة
التالي
بهارات حريفةٌ

اترك تعليقاً

*