القصة القصيرة جدا

اختراق

أمام فنجان قهوة ساخن، كانت أناملي تعزف الفراغ، لعابي ينجذب نحو الفنجان، بينما جمجمتي كانت شاردة، متشققة، محاصرة …
غريب هذا التفكك و التصدع الذي يجتاحني رغم الهندام الأنيق و ربطة العنق الساحرة التي تفصل مصدر القرار عن الآلة المتحركة التي أحيانا تتصرف بغرابة دون خوف أو خجل..!!
أطلقت نظراتي عاليا، كانت السماء نفسها لم تتغيرمنذ قرون، السحب كانت ترتدي خيوط الشمس البيضاء، فقط جمجمة الانسان التي تزداد سوادا و تغيرا مهولا خطيرا..!!
نظرت يميناً و يسارا، كان دخان السجائر يقتحم ملكيتي الخاصة، حاولت أن أفهمه أن حريته تقف عند بداية حرية الآخر لكنه ازداد شراسة و عنفا..!!
ارتشفت رشفة صغيرة لعل مذاقها المر ينسيني عبثية أخي الانسان الذي يشاركني نفس المكان و يجلس بالقرب مني، و الذي أراه يغوص في سرداب مظلم يوما بعد يوم. يُطفئ سيجارة و يشعل أخرى بلهفة و كأنه يستعجل ” آخر محطة من حياته”.
و هو يغادر مكانه، نسي وراءه سحبا سوداء كثيفة دون أن يكلف نفسه كلمة اعتذار لعلها تخيط الجراح التي تتكاثر “كالباكتيريا” في الهواء.
الكل صامت منعزل .. فقط الهواتف التي تتواصل فيما بينها عن طريق ( الويفي) و تصدر رنات مختلفة معبرة عن فرحها و تضامنها، بينما الجماجم تزداد نفورا يوما بعد يوم..!!
و أنا بصدد ارتشاف رشفة ثانية، شعرت بألم في جهة العقل، حاولت استقراء الأسباب، وجدت موجات ” الويفي” المختلفة و المتداخلة تنخر أعصابي في صمت، تكمل سلسلة الهدم المتتالية .. حاولت أن أمنعها لكنها لا ترى !!
أهو عقاب في صمت و لا ندري!؟
نظرت مجددا إلى تلك الغيوم التي اخترقتها أشعة الشمس؛ كانت مضيئة مبتسمة.. تمنيت لو كنت مثلها و لو دقيقة واحدة ..!!

ميزة القلم مداده، و ليس غلافه المذهب !!

السابق
النـــســــيان
التالي
عجين كلام لم ينضج بعد

اترك تعليقاً

*