مقالات

استراتجية العنوان في أدب الطفل الفلسطيني

نعالج في هذه الدراسة استراتجيات العنوان وعلاقاتها بالمضمون، واختارنا الادب الطفلي الفلسطيني انموذجا للدراسة،ونستعرض مفاهيم العنوان وانواع العلاقات بين العنوان والمضموان.

هناك رابط علائقي بين العنوان المضمون، يسميه الدارسون بالعلاقة، وكما أن هناك، أيضاً، فرعاً في القانون الدولي اسمه العلاقات الدولية، يعنى بالعلاقة الثنائية بين دولتين أو بين دولة وعدة دول، فإما أن تكون العلاقة اقتصادية، أو ثقافية، أو سياسية، أو أمنية، أو عسكرية، أو أية علاقة تعاون أو تحالف…الخ من أشكال العلاقات. وهذا، أيضاً، ينطبق على أية كتابة أدبية إبداعية، رواية كانت أم قصة، أم حكاية للأطفال، أم شعراً، أم فيلماً. أما في ما يتعلق بالعنوان والمضمون في الأدب، فإننا نسعى إلى دراسة العنوان في الأدب الطفلي الفلسطيني، “بوصفه مفتاحاً للدخول إلى النص، وبوصفه علامة تتموقع في واجهة النص”(1). وتقتضي دراسة العلاقة بين العنوان والمضمون في الأدب الطفلي، قراءة البنية التركيبية للعنوان بقصد الوصول إلى الدلالات الواردة في مضامين أدب الأطفال الفلسطيني، ولهذا فقد ارتأينا أنه من الضروري بسط مفهوم العنوان، وأشكال العلاقة بين العنوان والمضمون، وكذلك وظائف العنوان.

مفهوم العنوان
انطلاقاً من قولة إن “العنوان كان ولا يزال علامة سيميائية، تمارس التدليل، وتتموقع على الحد الفاصل بين النص والعالم، لتصبح نقطة التقاطع الإستراتيجية، التي يعبر منها النص إلى العالم، والعالم إلى النص لتنفي الحدود الفاصلة بينهما، ويحتاج كل منهما الآخر”(2)، فقد اهتمت الدراسات السيميائية الحديثة ابتداء من سنة 1968 بموقع “العنوان” وعلاقته بالنص من خلال دراسة (فرانسوا فروري) و(أندري فوتانا)، إلى جانب أعمال (كلود دوتشي)، و(ليوهوك)، و(روبرت شولز)، و(جيرار جنيت)…الخ، التي فتحت المجال واسعاً أمام علم جديد سمي “علم العنونة”(3).
من هنا، فإن العنوان يعد “المرجع الذي يتضمن بداخله العلاقة والرمز وتكثيف المعنى، إذ يحاول المؤلف أن يثبت فيه مقصده برمته بوصفه النواة المتحركة التي خاط عليها نسج نصه”(4). لذا فإنه “يمكن للكاتب اعتماد إستراتيجية العنونة من لفظ يوحي بثيمة الراوي”(5)، بحيث “يشكل العنوان إحدى العتبات التي تمكن المتلقي من ولوج عالم المتخيل، سواء تعلق الأمر بالأدب أو السينما”(6)، وذلك عبر عتبة اللغة التي “تشكل العنوان بوصفه وحدة ألسنية… ذات معنى غالباً ما يحيل إلى مضمون القصة بشكل مباشر أو ضمني، والملاحظ أن جل عناوين قصص الأطفال التي أنتجت، تكرس العنونة الكلاسيكية التي تقتصر على الجمل الاسمية…”(7). وهكذا “يصبح العنوان سمة الكتاب أو النص، ووسماً له، وعلامة عليه وله، كما أنه يعود إلى القصدية التي قد تؤدي إلى مرجعية ما: ذهنية أو فنية أو سياسية أو مذهبية أو أيديولوجية”(8)، خصوصاً أن العنوان كان ولا يزال “يشكل الرسالة اللغوية الأولى التي يتلقاها القارئ فتشد بصره، وتحرك إدراكه للحفر في مدلولاتها”(9). هذا من جهة العلاقة بين العنوان والمضمون والمؤلف، أما من جهة التلقي، فإن العنوان “يشكل مرتكزاً دلالياً يجب أن ينتبه إليه فعل التلقي، بوصفه أعلى سلطة تلق ممكنة، ولتميزه بأعلى اقتصاد لغوي ممكن، ولاكتنازه بعلاقات إحالة (مقصدية) حرّة إلى العالم، وإلى النص، وإلى المرسل(10). وبالعمل يتم تثبيت أو كسر هذه اللحظة، حيث يقول (ميشيل فوكو): “فخلف العنوان، والأسطر الأولى، والكلمات الأخيرة، وخلف بنيته الداخلية، وشكله الذي يضفي عليه نوعاً من الاستقلالية، والتميز، ثمة منظومة من الإحالات إلى كتب ونصوص وجمل أخرى، أي ما يجعل العنوان نصاً يتعلق بطريقة مباشرة أو خفية مع النصوص الأخرى”(11).
ورغم الطابع الاختزالي للعنوان، إلا أنه يمثل الجزء الأهم، بوصفه الواجهة الإشهارية والإغرائية، لما يتوفر عليه من حمولة مكثفة، في المتلقي هاجس التوغل في كنه العمل الأدبي. لذا يفترض أن يكون الاهتمام منصباً على اختيار العنوان الملائم لمضمون النص”(12)، ذلك لأن “العنوان يمثل أعلى اقتصاد لغوي ممكن، وهذه الصفة على قدر كبير من الأهمية، إذ إنها– في المقابل– ستفرض أعلى فعالية تلقّ ممكن، ما يجعل المتلقي فعالاً بشكل كبير في عملية تلقّيه للعنوان، وهي فعالية تتضح من خلال البحث عن دلالات العنوان من خارج العمل، وعن تفاصيل كاملة من داخله، وحين يلج المتلقي العمل تتحدد تلك الدلالات التي استقاها من خارج العمل. وعلى الرغم من أن العنوان نص مختصر مقلص فإنه يلعب دوراً مهماً وحاسماً في الأعمال الأدبية بخاصة، وفي الأعمال الفنية بعامة. فهو جزء لا يتجزأ من عملية إبداع الكاتب. كما أنه يلعب دوراً مركزياً في عملية إنتاج القارئ لمعنى العمل ودلالاته، ويقوم بوظائف متعددة ومتنوعة”(13).

علاقة العنوان بالمضمون
رصدنا عدداً من العلاقات التي تربط العنوان في المضمون، وهي:
1- العلاقة الموضوعية:
وهي الصلة القائمة بين الشكل والمضمون، أو بين اللفظ والمعنى، وكما يعرف الباحثون والدارسون فإن كلمتي “الشكل” و”المضمون” جديدتان على النقد العربي، على الأقل فيما يختص باستعمالهما الفني، فالواضح من كتب النقاد العرب القدامى (وبعض المعاصرين الذين سلكوا سبلهم) أن تناولهم لهذه القضية كان من صورة “اللفظ والمعنى”، وكانوا يقصون باللفظ عامة التركيب اللغوي الذي ينظم نوع الكلمات من حيث جديتها أو قدمها، أو من حيث شيوعها أو اقتصارها على الخاصة، أو اتصالها بدلالات (أو بنوع من المدلولات) مبتذلة كانت أم سامية وكان يقصد بالمعنى، إما فكرة تعبر عنها الألفاظ أو المغزى الأخلاقي الذي يرمي إليه الكاتب، أو قد تعنى كلمة “معنى” في بعض المواضع ما نسميه الآن صورة فنية”(14).
ومن الواضح “أن كلمتي (الشكل) و(المضمون) لم تعودا تترادفان مع اللفظ والمعنى على الإطلاق، وإنما انسحب كل منهما على دلالات ذات صلة بالمفهومات الفنية الجديدة، والنظرة التي تغلغلت إلى دقائق عملتي الخلق، والتذوق الفنيتين، وتوسلت بالعلوم الحديثة مثل: علم دلالة الألفاظ، وعلم النفس، وعلم الجمال”(15)، حيث “كان الشكل وعاءً يصب فيه المضمون، ونظرياً كان الوعاء ذاته قادراً على استقبال مضامين شتى. فإذا حدث تغيير في الشكل؛ كان ذلك استجابة لمقتضيات المضمون. لقد أدى ذلك كله إلى التأكيد على المضمون، وكان بالتالي مسؤولاً عن بعض الدراسات الأدبية”(16). وأما العلاقة الموضوعية فتعني “التجرد من كل الأهواء والعواطف والأفكار والمعتقدات، ورصد الواقع الإنساني كما هو؛ أو هي، وباختصار، إدراك الواقع، على ما هو عليه”(17). ولكن الدراسة الموضوعية هي “تلك التي ترتكز على الوصف والتحليل والتجربة والاستقراء والمقارنة، ثم محاولة الوصول إلى القضايا الكلية والقوانين العامة”(18). وينبغي لنا أن نشير في هذا المقام إلى أن المصطلح المقابل للموضوعية هو مصطلح الذاتية، وتعني “الارتباط بما هو فردي وذاتي؛ والإدراك الذاتي للأشياء، ويوصف بأنه إدراك متحيز، لأنه مبني على الشعور والذوق والعواطف والأهواء والأفكار”(19).
2- العلاقة العضوية بين العنوان والمضمون:
وهي الوشائج الممتدة بين العنوان والمضمون، فترى أن العنوان يحمل دلالات كبيرة ومعان مكثفة تتصل وشائجياً بالمضمون، لذلك “نجد عناوين ومُصطلحات لأشياء ما، مضمونُها لا يختلف كثيراً عنها، بل يكون تطبيقاً عملياً لتلك العناوين والمصطلحات، وأحياناً ربما تشعر أن تلك العناوين البرَّاقة والمصطلحات المُعَبِّرة قليلة على مضمونها، من كثرة ما يكون فيها من ثراء في اتجاهات عديدة”(20).
3- العلاقة الديالكتيكية بين العنوان والمضمون:
ما هي قوانين الديالكتيك؟ نجد أنفسنا مدعوين لبسط الجدل حتى يتمكن القارئ غير العارف من امتلاك المعرفة ليستطيع إدراك العلاقة الجدلية بين العنوان والمعنى. فالجدل “الديالكتيك” بالنسبة إلى ماركس وأنجلز، يمكن حصره في فيما يأتي :
1- قانون التحول من الكمية إلى الكيفية والعكس .
2- قانون تداخل المتناقضات .
3- قانون نفي النفي.
4- قانون وحدة و صراع الأضداد.
فهل وظف الكاتب الفلسطيني هذه العلاقة الجدلية بين عنوان قصته ومضمونها، بحيث نرى قوانين الجدل تشتغل، بما يُمَكِن القارئ من إدراكها وفهمها؟!
4- العلاقة الاعتباطية بين العنوان والمضمون:
وهي باختصار “أن نجد عناوين ومصطلحات هي فقط عناوين لأشياء ما، مضمونها ليس بينه وبين حرف واحد من العُنْوان وجه شبه؛ فإنك حين تجد مثل هذه العناوين، لن تتعجب فقط منها أو ممن يروج لها، على ما فيها من خلل، بل ستتعجَّب لعقول مَن قبلوها على مضمونها الزائف البعيد كل البُعد عن العُنْوان”(21)، وليس غريباً أن “نجد عنوانات [عناوين] أخرى تبدو فيها علاقة العنوان بالمضمون واهية ومفارقة للنص أو لمضمونه. وقد تظل الصلة بين العنوان والمضمون غير محسوسة تماماً إلا للقارئ الذي يحاول أن يبحث عن انسجام النص، ولا يكتفي بالبحث عن اتساقه”(22).
4- العلاقة التاريخية بين العنوان والمضمون:
يشكل العنوان الرسالة اللغوية الأولى التي يتلقاها القارئ؛ فتشد بصره، وتحرك إدراكه، للحفر في مدلولاتها. فالعنوان، هو النص الأول الذي يتوقف عنده المتلقي، باعتباره المفتاح الأساسي لقراءة مضمون النص الإبداعي، ورغم الطابع الاختزالي للعنوان، إلا أنه يمثل الجزء الأهم، بوصفه الواجهة الإشهارية، والإغرائية، لما يتوفر عليه من حمولة مكثفة، تثير في المتلقي هاجس التوغل في كنه العمل الأدبي. لذا يفترض أن يكون الاهتمام منصباً على اختيار العنوان الملائم لمضمون النص”(23). يبدو للوهلة الأولى أنه من العناوين الأكثر وضوحاً، باعتبار أن ملفوظاته واضحة لا تحتاج إلى شرح كبير، لكن وضوح ملفوظه، لا يعني وضوح مدلوله، لأن سياق التركيب ينتج العديد من الدلالات، التي تبدو هنا مبهمة وغامضة، فالكاتب لا يريد أن يجيب عن كل الأسئلة التي تختلج في ذهن القارئ، من العتبة الأولى للنص الروائي، بخاصة عندما تصدمه بالجمع بين نقيضين، وربما “تتعمد تشويش فكر المتلقي/ة؛ لأن غاية العنوان هو إثارة الجدل وفتح الباب على مصراعيه أمام التأويلات”(24).
فهناك عنوان لقصة يحمل عنواناً غير مباشر، ذا تركيب مجازي، الأمر الذي يستدعي قراءة المضمون لفك شفرات العنوان، رغم أن أمبرتو إيكو يعتبر أن مجيء “العنوان هو منذ اللحظة التي نضعه فيها مفتاحاً تأويلياً”، أي أن العنوان يثير فضول المتلقي، الذي يعبر عن المحتوى بعيداً عن القراءة، وقد يصدق تحليله، وقد يلبث مجرد إمكانية للتأويل بعد الإتيان على العمل. لذلك لا بأس أن نتعرف على شكلية العنوان ومدلوله”(25).

مكونات العنوان
لغة العنوان:
للعنوان مكونات تساعد على التعرف إلى مضمون القصة واستهلاكها عن طريق القراءة، ومشاهدة الصور المصاحبة للنص، على اعتبار أن العنوان هو أعم العتبات للولوج داخل النص، ولهذا فإن لغة العنوان مهما كانت، تتوزع على عدة مستويات، وهي: الفصحى، والعامية أو اللغة الثالثة التي تقع بين العامية والفصحى.
المتن الحكائي: يتكون مما يأتي:
1- العنوان والحكاية:
وجدنا أنه غالباً ما يحيل بعض العناوين مباشرة في علاقته بالمتن الحكائي، إلى “أهم المكونات الأساسية للقصة، والتي منها: الشخصيات، والفضاء، والزمن، والمكان. وقد يتبين أن العلاقة التي تربط العنوان بالحكاية هي علاقة وطيدة، حيث يعتمد الكاتب على إخبار المتلقي بمضمون الحكاية، ولكون العنوان يعتبر أول إنجاز للمتلقي، فـ”إن جل الكتّاب يعملون على تحديد موضوع الحكاية، ما يجعل جل العناوين تقريرية ومباشرة”(26).
2- البعد التاريخي:
ونجد العنوان في بعض قصص الأطفال الفلسطينية، تحمل حمولة تاريخية، إذ تظهر هذه الحمولة كيف “يتجلى هذا البعد من خلال الشخصيات التاريخية التي تشكل أبطال هذه الحكايات، سواء بشكل مباشر، أم غير مباشر”(27).
3- التركيب اللغوي:
ويعد التركيب اللغوي أساسياً في الاشتغال على العنوان؛ لأنه قد يأتي اسم علم، وهو الاسم الذي يدل على مسماه بذاته، ودون قرينة خارجة عن لفظه. مثل: محمد، ومكة، وفاطمة، والقدس، وأبو يوسف، وعبد الله. فالكلمات السابقة دلت بلفظها وحروفها الخاصة على معنى واحد معين محسوس، ولا تحتاج هذه الدلالة إلى مساعدة لفظية أو معنوية لتساعدها على أداء المعنى، بل تعتمد على ذاتها في إبراز تلك الدلالة. والاسم العلم هو الاسم الذي يعين مسماه مطلقاً، أي من غير تقيد بقرينة تكلم، أو خطاب، ، أو إشارة حسية، أو معنوية، أو زيادة لفظية، كالصلة وغيرها من الزيادات اللفظية الأخرى، أو المعنوية، التي تبين وتُعَين مدلوله، وتُحَدِّد المراد منه؛ لأنه علم مقصور على مسماه.
وينقسم باعتبار تشخيص معناه، إلى:
1. اسم علم شخصي: فهو الذي يدل على شخص بعينه، لا يشاركه فيه غيره، ولا يحتاج إلى قرينة، نحو: محمد، يوسف، فاطمة، مكة. وحكمه: حكم معنوي، أي دلالته على معين بذاته، كأن يكون اسماً لبشر، أو غيره من أسماء البلاد، والقبائل، والمدن، والنجوم، والسيارات، والطائرات، والكتب، مما لها اسم معين، لا يطلق على غيرها. أو حكم لفظي، ويتعين في كون اسم العلم، لا يعرف بالألف واللام، ولا يضاف، وجواز الابتداء به، أو مجيئه صاحب حال، كما يمنع من الصرف، كما يمكن أن يكون مشابهاً، في صيغته للأفعال المضارعة.
اسم علم الجنس: هو الاسم الموضوع للمعنى العقلي العام المجرد، أي للحقيقة الذهنية المحضة، ولو أنه في حكم النكرة من الناحية المعنوية، مثل: أسامة، وأبو الحارث، وهما اسما علم جنس يطلقان على الأسد. أبو الدغفاء، ويطلق على الأحمق بدون أن يعين شخص بذاته… الخ، وله الأحكام المعنوية، واللفظية نفسها لاسم العلم الشخصي، والذي ينقسم من حيث الأصالة في الاستعمال إلى مرتجل، ومنقول:
اسم العلم المرتجل: هو ما وضع من أسماء الأعلام، من أول الأمر علماً، ولم يستعمل قبل ذلك في غير العلمية. مثل: سعاد، ووداد، وحمدان، وعمر، ومحب .
وكما ينقسم اسم العلم المرتجل إلى قسمين:
– مرتجل قياسي: هو العلم الموضوع من أول الأمر علماً، ولم يستعمل قبل ذلك في غير العلمية .
– مرتجل شاذ :وهو ما وضع علماً من أول الأمر، ولكن لا نظير له في كلام العرب،بحيث يقاس عليه”( 28)
ووجد الدارسون أن اسم العلم المنقول، هو ما نقل من شيء سبق استعماله فيه قبل العلمية، مثل: ماجد، وحامد، وفاضل، وسالم، وعابد، وثور، وحجر، وأسد. فبعضها منقول عن صفات، وبعضها منقول عن أسماء. قد يكون النقل عن اسم مفرد في لفظه، وقد يكون النقل عن الفعل فقط، وقد يكون النقل عن جملة اسمية، أو فعلية، وإذا نقل اسم العلم من لفظ مبدوء بهمزة وصل تتغير الهمزة إلى قطع بعد النقل، مثل: إعتدال، وإنتصار، وإبتسام، وهي أسماء لنساء.
العنوان على اعتبار اللفظ إما أن يكون مفرداً، أو مركباً: قد يأتي العنوان اسم علم مفرد؛ وهو اسم العلم المكون من كلمة واحدة مثل: محمد، وأحمد، وعلي، وإبراهيم، وسعاد، وخديجة، ومريم، وهند. ويعرب هذا الاسم بحسب العوامل الداخلة عليه .ويجد الدارس أن هذا شائع عند كتاب أدب الأطفال الفلسطيني، ويمكن للقارئ العودة إلى الجداول ليعرف ذلك بنفسه.
ويستعمل الكتاب، أيضاً، اسم العلم المركب: ويتكون من كلمتين فأكثر، ويدل على حقيقة واحدة قبل النقل وبعده، ويجد القارئ في الجداول نماذج عديدة للعنوان، تتكون من علم مركب في قصص الأطفال الفلسطينية.
وقد يأتي العنوان جملة اسمية؛ فيتركب العنوان عندئذ، من جملة اسمية تتشكل من كلمتين، تجمع بينهما علاقة الإضافة، التي تقوم بإسناد لفظ ما إلى لفظ التواصل. ونلاحظ على مستوى آخر أن كلمة ما تكون اسم مشتقاً دالاً على معنى ما.

وظائف العنوان
وجد الدارسون إن للعنوان وظائف متعددة، أهمها:
1- الوظيفة الندائية للتعريف بالنتاج.
2- الوظيفة المرجعية للتعريف بمحتواه العام.
3- الوظيفة الإيحائية أو الإشهارية لتشويق المتلقي.
4- وظيفة المماثلة أو تحقيق هوية ما من خلال استعارة اسم بطل من التاريخ، أو أسطورة، أو جانب خيالي، أو حالة اجتماعي، أو صفة أو طبع، أو نوع حيواني.
5- وظيفة إخبار وإعلام، وهو لفظ من ألفاظ التواصل، فقد رأينا أنه يدل اصطلاحا على “تبادل المعلومات والأخبار، وأن له مكونات من أهمها المرسل والمرسل إليه والمرجع والقناة والسنن أو الشفرة. نستنتج من المعطيات السابقة أن عملية التواصل لا تتسم بالجمود بل هي مشحونة بحركية وتفاعل بين طرفين أو أكثر”(29).
6- وظيفة الجذب أو الصدم، وهو ما أضحى الكتّاب المعاصرون يستهويهم مثل هذا النوع من العناوين؛ بحيث تزلزل بعض المفاهيم الثابتة التي تمتاز بالجرأة (30).
ومما لا شك فيه “أن المهمة الأساسية في دراسة العنوان تكمن في جعله أداة وظيفية إنتاجية، تقوم بتوليد الدلالات الممكنة، لنحاول بعد ذلك، ربطها بالمتن الروائي”(31).
وكما يمكن أن تكون هناك وظائف أخرى للعنونة وهي: “إحالية، وأخرى بنائية، وثالثة دلالية، ورابعة تداولية، وخامسة بصرية أو أيقونية تستغل فراغ محيطها، أو تنوع في الخطوط، وألوانها، وأحجامها وطرائق رسمها، وهكذا دواليك”(32). ولهذت كله، فإن العنوان هو أحد أشكال الاقتصاد اللغوي. والاقتصاد لغة هو “القصد في الشيء خلاف الإفراط، وهو ما بين الإسراف والتقتير، والقصد في المعيشة؛ وهو أن لا يسرف، ولا يقتر، ويقال مقتصد في النفقة، وقد اقتصد هو القلَّة، والسُّهولة، والقصر، والاختصار، والإيجاز مع القصد والإرادة”(33).
وأما الاقتصاد اللغوي، اصطلاحاً، فهو: “ظاهرة لغوية غير مقصورة على اللغة العربية وحسب، وغالباً ما تكون ظاهرة معروفة في كل لغات العالم، وكذلك بدرجات متفاوتة، ويتأثر بها التركيب، والصوت، وبالتالي كانت من الظواهر العالمية في اللغة، إذ إنها ليست وقفاً على لغة دون أخرى”(34).

دراسة نماذج من أدب الأطفال الفلسطيني
سنحاول أن ندرس عدة نماذج للعناوين لقصص الأطفال في محاولة للكشف عن سيموطيقا العنوان، وعلاقته بالمضمون، لهذا وجدنا أنه من الضروري الاشتغال على التركيب اللغوي للعنوان في القصة الطفلية الفلسطينية.

العنوان في القصة الطفلية الفلسطينية
وجدنا أن العنوان قد يأتي اسماً مفرداً، وهو في أغلبه منقول عن صفات، وهذه القصص يوضحها الجدول الآتي:

عنوان القصة اسم الكاتب
1- الحارس – زكريا محمد
2- شعشبون – زكريا محمد
3- زلوطة – سونيا نمر وسعاد ناجي
4- التنين – سونيا نمر وسعاد ناجي
5- الصياد – عباس دويكات
6- المعروف – إبراهيم مصطفى شيخ العيد

وقد يأتي العنوان جملة اسمية، يتركب من جملة اسمية تتشكل من كلمتين، تجمع بينهما علاقة الإضافة التي تقوم بإسناد لفظ إلى لفظ كالآتي:
عنوان القصة اسم المؤلف
1- ملك الحكات سونيا نمر
2- مغني المطر زكريا محمد
3- المدينة البعيدة خالد جمعة
4-السنونو الذكي سونيا نمر ورشا حمامي
5- حاكورة أمي مروان العلان
6- عمر وهاها صفاء عمر
7- سوا سو روز مصلح شوملي
8- أذن سوداء وأذن شقراء خالد جمعة
9- ملك الغابة حنا أبو حنا
10- سر الملك كيسار حنا أبو حنا
11- صفاء تسأل أيضاً إبراهيم جوهر
12- قصة قبل النوم مايا أبو الحيات
13- مختار أبو دنين كبار سونيا نمر وسعاد ناجي
14- قصة نورس نورس كرزم
15- حذاء الطنبوري سونيا نمر ورشا حمامي

وقد يأتي العنوان مكوناً من جملة فعلية، كما هو مبين في الجدول أدناه:
عنوان القصة اسم المؤلف
1- نفهم بالإشارة حنا أبو حنا
2- تعال العب معي صفاء عمير

ويكون العنوان في بعض القصص من أكثر من جملة، مثل:
عنوان القصة اسم المؤلف
العمة زيون وشجرة الزيتون فاطمة شرف الدين

سنقوم بدراسة تطبيقية على نماذج من قصص الأطفال، التي تحمل عنواناً يتكون من كلمة واحدة وهي، قصة “شعشبون” لزكريا محمد، و”زلوطة” لسونيا نمر وسعاد ناجي.
القصة الأولى: “شعشبون”(35)، كلمة مفردة، هي كلمة تطلق على نوع من العناكب التي تنسج بيوتها داخل البيوت، وعلى مداخل الكهوف، وعلى أغصان الشجر، وعلى الأعشاب، وفي الخرائب، وغالبية الأطفال شاهدوها، وهي معلقة تنسج بيوتها، وهم يعرفون معنى “شعشبون”، ولكن لا يعرفون طبيعة العلاقة بين العنوان والمضمون، وهذا ما سنقوم به.
نبدأ بالحقول الدلالية لـ”شعشبون”، وهي:
ترتكز قصة “شعشبون” على اسم العلم المفرد، أي عنكبوت صغير، يتدرب على الصيد، نساج شبكات، لديه الرغبة في صيد من هم أكبر منه حجماً، فهذه الجمل تحمل معاني متعددة، تعمل على إشعال التفكير عند الصغار، ليكتشفوا بأنفسهم الإجابات عن أسباب خوضه الصراع مع حيوانات أكبر وأضخم منه، إذ يخوض شعشبون صراعاً مع الفيل، ما أفقده رجلين من نفضة الفيل، مع أنه “القوي الذكي والشجاع”، إلا أن الفيل كبير، ويحاول الكاتب من خلال صراع شعبون مع الحيوانات الضخمة، أن يؤكد على معنى واحد، وهو، “أن الشجاعة إن لم تفد، ضرب من الحمق والمأثم”، وعلى الصغير أن يتحسس حجمه، وأن يفحص قواه قبل الإقدام على أي مغامرة، تكون نتائجها وخيمة، ويكرر السارد محاولات شعشبون الكرة تلو الكرة، لإبراز إصرار شعشبون من جهة، ولإبراز عدم تعلم شعشبون من هذه التجربة، لأن السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه، فهو ذاك الشقي، ويرسم الكاتب محاولات شعشبون في جملة “أنه شجاع لكن الحمار، كبير”، فداس الحمار على الشبكة، وتعلق بقدمه، ففقد قدمين من أقدامه الستة المتبقية”. فللمرة الثالثة لم يتعظ شعشبون، ويكرر المحاولة ذاتها، مع العنزة السوداء التي مزقت الشبكة، وعبارة “قوي وذكي” توحي بأن القوة تهور، وأن الذكاء إذا لم يفد صاحبه، و يستعمله في موضعه، يكون مدعاة للسخرية، لذا تراه في كل تجربة صراع يفقد رجلين أخريين. ثم يؤكد الكاتب على مبدأ قوة العنزة وشجاعة شعشبون، ولم يتعلم شعشبون الدرس فحاول محاولته الأخيرة مع “الفأر الأبيض، الذي “فعل مثل سابقيه، مزق الشبكة، وفقد ما تبقى من أرجل. ثم يستخدم الكاتب الجملة نفسها ليستنبتها في عقول الأطفال، إنه “شجاع”، ولكن يبرز الكاتب فارقاً آخر في الخصم، وهذا الفارق هو أن “الفأر ذكي”. وتنتهي الحكاية بأن قام العناكب بإلصاق أرجله الثمانية، “وينجح في اصطياد ذبابة”. هذه الجملة هي جملة مفتاحية، يمكن للطفل أن يكتشف معناها بسهولة، فلا يكرر تجربة شعشبون في حياته اليومية.
إن العلاقة بين العنوان والمضمون جاءت موضوعية وعضوية معاً؛ فالبناء الحكائي منذ العنوان “شعشبون” وإلى تفاصيل المضمون، وعبر إظهار الصراع مع الحيوانات الأكبر والأضخم منه، في بحثه عن غذاء، قد جاءت علاقة عضوية بدءاً من العنوان “شعشبون”، ومروراً بالصراعات وانتهاءً بتعاون العناكب في إلصاق أرجله. وكشفت نهاية الحكي تغير شعشبون، فذهب إلى الصيد متسلحاً بالمعرفة الجديدة؛ وهي أن الشجاعة والذكاء لا يكفيان في الصراع مع الآخر الأكثر ضخامة وذكاءً، فالمتن الحكائي صب كل مضمونه في العنوان.
2- القصة الثانية “زلوطة”(36): فهي منذ البداية لا تحيل إلى معنى، حتى لو استخدم الطفل قاموس المعاني، فالكلمة صندوق مقفل، والعلامات غائبة، وبالتالي غابت الدلالة، وإلا كيف تكون العلاقة بين العنوان المقفل والمضمون؟ تداركت الكاتبتان عدم وضوح العنوان، والذي قد يشكل عقبة أمام القارئ الطفل في الفهم. ولأجل إيضاح العنوان المقفل الدلالة، لجأت الكاتبتان إلى تعريف معنى “زلوطة”؛ لأنها كلمة من العامية المصرية، وباتباعهما أسلوب التقديم، أي جعل الشخصية المركزية في القصة أن تقدم نفسها بنفسها للقارئ؛ ما يتطلب استخدام جملة اسمية “أنا دبانة”، وهي ملفوظ مصري عامي خاص بالمدينة. واستكمالاً للتعريف بنفسها أوضحت أنها” تعيش في الزبايل،” وهذا أوضح معنى الشخصية “زلوطة”. وتعريف “زلوطة” بذاتها فتح الأبواب المقفلة على معاني هذه الكلمة. فالعلاقة بين عنوان القصة زلوطة علاقة عضوية وموضوعية، أيضاً. وبهذا تكون الدلالات واضحة، ومرتبطة بهذا الكائن وظروف عيشه. في حاويات الزبالة.

العنوان جملة فعلية (قصة “تعال العب معي”)(37):
استخدمت الكاتبة صفاء عمير ما يمكننا أن نطلق عليه أسلوب التبادل الحكائي التدويري، إذ إن البناء الحكائي يدور حول شخصية ما، ومن ثم أقوم بتدوير هذا البناء بالكامل مع شخصية أخرى في الحكاية، فقد اعتذر الأب عن اللعب “إنني مشغول” ليس الآن، “إنني تعبان”، وليس الآن، “إنني جوعان”، ليس الآن، إنني نعسان”. وتعيد الكاتبة التدوير التبادلي في الأدوار وتقوم بتدور اللغة، أيضاً: الأب: “تعال العب معي”. الابن: “ليس الآن إنني تعبان”. الأب: “تعال العب معي”. “أجبته غداً سنلعب”، “نمت في السرير وبدأت في الشخير، أجبته غداً سنلعب.
العنوان من كلمتين: قصة “سو سوا”(38):
إن العنوان “مكون من مفردة مكررة، وهي كلمة تداولية نستخدمها كثيراً في حياتنا الاجتماعية ونكررها كثيراً، وندرك معناها،ل أننا نستعملها عادة عندما نطلب من الأطفال مغادرة مكان ما. فنقول: لهم العبوا “سوا سوا” برا البيت مثلاً، أو عندما يختلف الأطفال مع بعضهم: نقول لهم العبوا سوا سوا، أو عندما يختلف الأطفال الذكور مع الإناث، نقول للجميع:”العبوا سوا”. فكلمة “سوا” آتية من المساواة بين الأطفال ،المساواة بين الإناث والذكور، لذا استعملتها الكاتبة للتأكيد على هذا الحق في اللعب، هذا من جهة وللتأكيد على أن هذا الحق مكفول للإناث والذكور على السواء وتكشف الكاتبة من خلال الحوار بين شخصيات القصة، أن هناك اتجاه تربوي قد تسرب إلى التنظيم النفسي للأطفال.لذلك يرون في لعب الأطفال الذكور مع الإناث عيب، ويمس بالاعتداد بذكوريتهم، وأن مكان الذكور خارج البيت. هذا ما يكشفه الحوار بين فارس وأترابه من الأطفال.
لذا، نجد فارس يقول: “أريد أن أعود إلى البيت”، ضحك سامي وقال: “الصبيان يمكنهم البقاء خارج البيت”، وشيئاً فشيئاً تتضح ملامح تفكيرهم القائمة على التمييز ضد الأنثى، قال رامي: “لا تقل لي أنك تساعد في أعمال البيت، ضحك أشرف وقال: “البنات فقط يعملن في البيت”. قال فارس: “سوف أذهب لألعب مع ابنة عمتي أمجاد”. قال سامي: “تلعب مع البنات”.
إن هذه الجمل تشير سيمياؤها إلى أن هذه الأفكار أصبحت منغرسة في التنظيم الوجداني وفي الوعي، وتدريجياً تصبح فكرة التمييز ضد الإناث إحدى مرجعياتهم، ولهذا عبر الأطفال عن الفكرة التمييزية بالضحك والسخرية. ووجدنا أن الفكرة التمييزية بين الذكور والإناث، بدأت تأخذ حيزاً من تفكير فارس. وللتوقف ذهنياً جعلت الكاتبة يتوقف أيضاً “فكر فارس لماذا لا يجب أن ألعب مع البنات، لم يخطر ببالي أن هناك أعمالاً للبنات لا يقوم بها الأولاد”. فالكاتبة تكشف لنا عن أهمية القدرات والأدوات الحسية، والخبرات التي يمتلكها الأطفال، وعن عمليات ترويض الأجساد التي هي أساسية في تشكل الوعي البشري، وأنها أساسية في تشكيل النظم الاجتماعية والحفاظ عليها. فالكاتبة عمدت إلى إظهار نقطة التحول في تفكير فارس، والذي يبدأ في التحول بعلاقته مع أمه، فقد كان “يساعد أمه بأعمال المنزل، لكن أصحابه قد أوحوا إليه بفكرة جديدة” دفعته إلى “التصرف بطريقة مختلفة”. هذه الجمل علاماتها واضحة، فقد رجع إلى البيت متسلحاً بأفكار جديدة. من هنا، “توجه فارس إلى غرفة الجلوس، وقال بصوت عال: “أريد أن آكل هنا”. “تناول قليلاً… ثم دفع الطبق وقال بصوت آمر: أعيديه إلى المطبخ”، “أنا لن أعيده إلى المطبخ أتظنيني بنتاً”.
فالفكرة التمييزية على أساس الجنس قد اخترقت أفكاره، وأخذت تغير من نظرته، ومن تعامله مع أمه، وأخذ يحدد وظيفة البنت على أساس الطبخ، والنظافة، وخدمة الصبي الذكر. ويستمر فارس في التأكيد على فكرته: “تمتم فارس: هذا عمل البنات، ويتابع فارس: أنا لا أريد أن ألعب مع البنات،حتى لو كانت البنت هي أمجاد ابنة عمتي”.
نحن نقف إزاء علامات تحملها جمل “بصوت عال، وقال بصوت آمر، أعيديه إلى المطبخ”. إن ارتفاع الصوت يشير إلى التحول في السلوك، فهو يفكر بصورة شخصية السيد الذكر الذي يصدر الأوامر، والكل من الإناث يستجيب بالسمع والطاعة، وأما جمل” تمتم فارس: هذا عمل البنات”، “أنا لا أريد أن ألعب مع البنات،حتى لو كانت البنت هي أمجاد ابنة عمتي”. فإنها تؤشر إلى مدى تأثره بفكر التمييز ضد جميع الإناث، بداية من أمه برفضه “أنا لن أعيد الأطباق، وانتهاءً بابنة عمته، أنموذجاً”. إلا أن الكاتبة حرصت على إبراز التنشئة الاجتماعية العازلة التي يتعرض لها أجساد الفتيان والفتيات، وهذه التنشئة، ستقحم عبرها الأجساد في علاقات التمييز، من هنا عملت (شوملي) على زحزحة الفكرة عبر شخصية الأب الذي قال: “… سوف أحضر السلطة”. ودفع هذا الموقف فارس إلى إعادة التفكير في موقفه من البنات: “إذا كان العمل عيبا ًللصبيان فلماذا يحضر أبي السلطة؟”. وتترك الكاتبة مساحة لفارس للتفكير: “أبي يعمل في المطبخ، وهو رجل، لكن، لا يبدو عليه أنه مكترث، ربما المساعدة في المطبخ ليست مشكلة”. ولكن بقي متوجساً “ينظر إلى الباب ماذا لو رآني واحد من أصدقائي. فكر فارس، “أو التفكير هو بداية الصراع النفسي، والذي أرادت الكاتبة منه؛ الكشف عن عودة فارس إلى طبيعته غير التمييزية. ويساعد الأب فارس في انزياحاته؛ لإعادته إلى سابق عهده فيقول: “وما الخطأ في أن تحضر الطعام؟”. لا يزال فارس متوجساً من أقرانه لذا تمتم: “هذا عمل البنات”.
ولكن الأب قال مازحاً: “ربما نحتاج إلى أن ننجب بنتاً كي تقوم بأعمال البيت، نيابة عنا”. ويمضي فارس في موقفه “لا أريد أن ألعب مع البنات، حتى لو كانت هي أمجاد ابنة عمتي”. فكر فارس. ولكن عندما وصل “وجد أمجاد تعمل مع أبيه”. ثم توظف الكاتبة عنصر الظرفية “بدأ كل منهما برش الآخر بالماء، نسي فارس قراره، ولم يعد قادراً على إخفاء سروره، حتى أبوه سمع ضحكته “ضحك أبوه وقال: ألا تخاف أن يراك أحد؟ ضحك فارس قائلاً ليس بعد اليوم”. نلاحظ كيف جاءت الخاتمة منسجمة مع توجهات الكاتبة الجندرية، وتمكنت من خلق ظرفية مناسبة تربوياً، عبر شخصية الأب الجندري لإصلاح الخلل التفكيري التمييزي ضد الإناث. فـ”سو سوا”، كلمة مكررة ذات حمولات سيميائية مكثفة، لها دوال إيجابية ولها دوال سلبية. فالإيجابية؛ تعني الدعوة إلى اللعب الجماعي دون تحديد الكلمة، مع من يكون اللعب؟ا لبنات مع البنات، الصبيان مع الصبيان آو لعب مختلط ومشترك “صبيان وبنات”، فالكلمة “سوا” حملت دوال وظيفية للمرأة “بنتاً، أماً، ابنة عمة”، ولنقل للأنثى بشكل عام في سياق التأطير للفكر الجندري، فالكاتبة لم تذكر كلمة “سوا” في المتن الحكائي؛ كي تدفعنا لاكتشاف معاني الكلمة، “فسوا نلعب، سوا نطبخ، سوا نزرع، سوا نحتفل… الخ. فالعلاقة تكمن في دراسة الممكنات في المضمون بحيث تؤشر إلى العلاقة بالعنوان، وتصبح حاملاً لغالبية العلامات الواردة في المضمون.

* كاتب وباحث من فلسطين.

مراجع الدراسة
1- د. على أحمد محمد العبيري، العنوان في قصص وجدان الخشاب، دراسة سيميائية، دراسات موصلية، العدد الثالث والعشرون، صفر 1430هـ،شباط 2009م.
2- .المرجع نفسه، د. على أحمد محمد العبيري، العنوان في قصص وجدان الخشاب
3- حمودي بن العربي، سيميائية العنوان في مسرحية -مسافر ليل- ل صلاح عبد الصبور، www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&aid=226215
4- مرجع سبق ذكره، د. على أحمد محمد العبيري، العنوان في قصص وجدان الخشاب
5- فريدة بن براهيم موسى. عنوان الكتاب “زمن المحنة في سرد الكاتبة الجزائرية”، وقد صدر عن دار غيدا للنشر، الأردن (2012).
6- فرقزيد بوشتى،تركيبة العنوان وعلاقته بالمضمون،،مجلة فكر ونقد،السنة العاشرة عدد 91 اكتوبر 2007 ص 91
7- المرجع نفسه،فرقزيد بوشتى،تركيبة العنوان وعلاقته بالمضمون،،
8- بسام قطوس، سيمياء العنوان، مطبعة البهجة/ بدعم من وزارة الثقافة ـ عمان ـ الأردن
9- مرجع سبق ذكره،فريدة إبراهيم بن موسى – عود الند المجلة الثقافية الشهرية،
10- بسام قطوس، سيمياء العنوان، مطبعة البهجة/ بدعم من وزارة الثقافة ـ
11- مرجع سبق ذكره، حمودي بن العربي سيميائيةالعنوان
12- مرجع سبق ذكره،فريدة إبراهيم بن موسى – عود الند المجلة الثقافية الشهرية، 13- حمودي بن العربي سيميائيةالعنوان في
14- ايناس حسيني العلاقة الموضوعية بين الشكل والمضمون في العمل الادبي وجهان لعملة واحدة ١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٣ ، www.diwanalarab.com/spip.php?article476
15- المرجع نفسه،ايناس حسيني العلاقة الموضوعية بين الشكل والمضمون في العمل الادبي وجهان لعملة واحدة
16- المرجع نفسه،ايناس حسيني لعلاقة الموضوعية بين الشكل والمضمون في العمل الادبي وجهان لعملة واحدة”.
17- د. علي صديقي،المناهج النقدية الغربية في النقد العربي المعاصر،عالم الفكر،العدد4،المجلد 41،ابريل-يونيون 2013.ص124
18- مدكور ابراهيم،معجم العلوم الاجتماعية،القاهرة ،الهيئة المصرية العامة للكتاب1975،ص581-.582
19 – د. علي صديقي،المناهج النقدية الغربية في النقد العربي المعاصر،عالم الفكر،العدد4،المجلد 41،ابريل-يونيون 2013.
20- حسام كمال النجار، العلاقة بين العنوان والمضمون، www.alukah.net/culture/0/38923
21- المرجع نفسه،حسام كمال النجار، العلاقة بين العنوان والمضمون،
23- مرجع سبق ذكره، بسام قطوس، سيمياء العنوان،
24-مرجع سبق ذكره فريدة إبراهيم بن موسى. عنوان الكتاب “زمن المحنة في سرد الكاتبة الجزائرية”،
25- مرجع سابق،فريدة إبراهيم بن موسى
26- مرجع سابق،فرقزيد بوشتى،تركيبة العنوان وعلاقته بالمضمون،،
27- مرجع سابق،فرقزيد بوشتى، ص 93
28- حمَّاد بن محمد الثمالي جامعة أم القرى/كلية اللغة العربية المنقول والمرنجل عند النحاة،http://uqu.edu.sa/page/ar/142940
29-حميد اليوسفي دلالات العنوان ، www.startimes.com/?t=1713765
30- حمودي بن العربي سيميائيةالعنوان في مسرحيةمسافرليل لصلاح عبد الصبور www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=226877
31- مرجع سابق، فريدة إبراهيم بن موسى
32- بسام قطوس، سيمياء العنوان، مطبعة البهجة/ بدعم من وزارة الثقافة
33- انظر لسان العرب ،ابن منظور،دار صادر بيروت،مادة(قصد)،مج3،ص353-354
34- سليمان ياقوت،علم الجمال اللغوي،1/307
35- زكريا محمد ،شعشبون،مؤسسة تامر للتعليم المجنمعي،رام الله،الطبعة الاولى،2011
36-سونيا نمر وسعاد،زلوطة، مؤسسة تامر للتعليم المجنمعي،رام الله،الطبعة الثانيةن2142011
37-صفاء عمير،تعال العب معي، مؤسسة تامر للتعليم المجنمعي،رام الله،
38- روز مصلح شوملي،سو سوا، مؤسسة تامر للتعليم المجنمعي،رام الله،2012

السابق
تهاون
التالي
مُستهلِك

اترك تعليقاً

*